يسعى وزير الخزانة الامريكي سكوت بيسنت بكل قوة خلال الايام الماضية الى احتواء حالة القلق المتصاعد في الاسواق المالية بشأن الارتفاع الحاد في عوائد سندات الخزانة طويلة الاجل. وتكشف التحركات الاخيرة عن مخاوف عميقة لدى الادارة الامريكية من انعكاس هذه المستويات المرتفعة على تكلفة الاقتراض للاسر والشركات والحكومة على حد سواء في ظل ضغوط التضخم والعجز المالي الكبير. واظهرت مؤشرات وول ستريت ان التدخل لدعم الين الياباني وتغيير لغة الوزارة حول اصدارات الديون تمثل محاولات جادة للسيطرة على قفزات العوائد التي بلغت مستويات قياسية لم تشهدها البلاد منذ نحو عقدين من الزمن.
واكد متعاملون ومحللون ان هذه الخطوات الاستباقية تاتي في توقيت حساس للغاية خاصة مع تجاوز عائد سندات العشر سنوات مستويات الاربعة فاصلة ستة بالمئة. واوضح الخبراء ان استمرار هذه العوائد عند مستويات مرتفعة يضع ضغوطا اضافية على الاقتصاد الامريكي الذي يواجه تحديات جيوسياسية ومالية معقدة. وبينت التقارير ان بيسنت يحاول من خلال هذه السياسات منع تدهور الوضع في سوق الدين الذي اصبح اكثر هشاشة من اي وقت مضى.
وذكرت مصادر مطلعة ان توجه وزارة الخزانة نحو تعديل صياغة توجيهاتها بشان الاصدارات المستقبلية من كلمة زيادات الى تغييرات يعكس رغبة واضحة في تهدئة مخاوف المستثمرين. واضاف المحللون ان هذه الاشارات تفتح الباب امام احتمالية خفض اصدارات السندات طويلة الاجل في المزادات القادمة وهو ما يلقى ترحيبا من قبل كبار المستثمرين في السوق.
استراتيجيات واشنطن للسيطرة على سوق السندات
وبينت التحركات الاخيرة لوزارة الخزانة ان دعم العملة اليابانية يهدف بشكل غير مباشر الى تقليل حاجة طوكيو لبيع جزء من حيازاتها من السندات الامريكية. واكد بيسنت اهمية توسيع تسهيلات اعادة الشراء الخاصة بالسلطات النقدية الاجنبية لدى الاحتياطي الفيدرالي لتوفير السيولة دون الاضطرار لبيع السندات. وكشفت بيانات السوق ان هذه الاجراءات ساهمت في تخفيف حدة التوتر لدى المستثمرين الاجانب الذين يراقبون عن كثب تحركات السياسة النقدية الامريكية.
واوضح بيتر بوكفار كبير مسؤولي الاستثمار ان السوق وصلت الى مرحلة من الهشاشة تتطلب تدخلات ذكية لتجنب حدوث انهيار في الطلب على السندات. وشدد على ان نجاح هذه السياسات يعتمد بشكل كبير على قدرة الادارة في اقناع الاسواق باستقرار المسار الاقتصادي. وبينت استطلاعات الراي ان غالبية العملاء يتوقعون حاليا اتجاه الوزارة نحو تقليص حجم المزادات بدلا من زيادتها في الفترة المقبلة.
واكد الخبراء ان العجز المالي السنوي الضخم الذي يقترب من تريليوني دولار يظل العائق الاكبر امام طموحات بيسنت في خفض العوائد. واشار جون فيليس استراتيجي الاقتصاد الكلي الى ان الانفاق الحكومي المرتبط بالحروب والازمات يجعل من الصعب تخفيف الضغوط على منحنى العائد بشكل مستدام. واضاف ان تراجع العوائد مؤخرا عقب بيانات سوق العمل يثبت مدى حساسية المستثمرين لاي مؤشرات تتعلق بمسار الاقتصاد الكلي.
تحديات التضخم والسياسة المالية الامريكية
وكشف بيسنت في تصريحات سابقة ان خفض عائد سندات العشر سنوات يمثل هدفا استراتيجيا كونه المرجع الاساسي لتسعير الرهون العقارية والقروض التجارية. واوضح ان العوائد تعتبر المقياس الحقيقي لنجاح السياسات الاقتصادية للادارة الامريكية. وبينت التقديرات ان اي بيانات تضخم ايجابية قد تساهم في تهدئة الاسواق بشكل افضل من اي تدخلات ادارية او تنظيمية.
واكد محللون ان العامل الحاسم يظل في قدرة الاحتياطي الفيدرالي على اعادة التضخم الى مستهدف الاثنين بالمئة بعد خمس سنوات من التجاوز المستمر. واضافوا ان المستثمرين يبحثون عن ضمانات حقيقية وليس مجرد تعديلات تقنية في اصدارات السندات. وشدد الخبراء على ان استقرار سوق السندات الامريكية سيبقى رهينة للتوازنات بين السياسة النقدية والواقع المالي الصعب.
واشار مراقبون الى ان الطريق امام وزير الخزانة لا يزال طويلا ومحفوفا بالمخاطر في ظل استمرار الضغوط التضخمية وصدمات اسعار الطاقة. واوضحوا ان اي تراجع في العوائد يجب ان يكون مدعوما باساسيات اقتصادية قوية وليس فقط بتدخلات مؤقتة. وبينت التحليلات ان الفترة المقبلة ستكشف مدى قدرة الادارة على الموازنة بين تمويل العجز الهائل والحفاظ على استقرار تكاليف الاقتراض للقطاع الخاص.
