لم يعد الحديث عن تقليص الاعتماد على الدولار في القارة الافريقية مجرد شعارات سياسية عابرة بل تحول الى واقع ملموس يمس مفاصل الاقتصاد والديون والتبادلات التجارية اليومية. وبدأت الحكومات الافريقية في تبني استراتيجيات جديدة تشمل تحويل القروض الحكومية الى اليوان الصيني وتفعيل اتفاقيات المقايضة المالية وبناء شبكات اقليمية تسمح بتسوية المعاملات بالعملات المحلية بدلا من العملات الاجنبية. واظهرت هذه التحركات ان القارة تسعى جاهدة لفك الارتباط التاريخي بالعملة الامريكية لكن السؤال الجوهري يظل حول ما اذا كان هذا المسار يمثل استقلالا نقديا حقيقيا ام انه مجرد استبدال لهيمنة الدولار بتبعية جديدة لليوان.

واكد الخبراء ان التحركات الافريقية لا تسير في خط مستقيم واحد بل تتوزع عبر ثلاثة نماذج اقتصادية متباينة في تكلفتها ومخاطرها. واوضحت البيانات ان النموذج الاول يعتمد على تحويل الديون القائمة من الدولار الى اليوان لتخفيف عبء الفائدة. واضاف المحللون ان النموذج الثاني يركز على استخدام اليوان كعملة مكملة الى جانب الدولار والعملات المحلية في التجارة البينية. وبينت التقارير ان النموذج الثالث يتجه نحو تجاوز العملات الاجنبية كليا عبر نظام المدفوعات والتسوية الافريقي المعروف باسم بابس.

تغيرات هيكلية في الاحتياطيات العالمية

وكشفت احدث بيانات صندوق النقد الدولي عن تغيرات في هيكل الاحتياطيات النقدية العالمية حيث بلغت حصة الدولار نحو 57 بالمئة من اجمالي الاحتياطيات بينما لا تزال حصة اليوان متواضعة عند مستويات تقترب من 2 بالمئة. واشار الصندوق الى ان هذه التغيرات لا تعني بالضرورة عمليات بيع متعمدة للدولار بل قد تعكس تحركات طبيعية في اسعار الصرف العالمية. واوضح البنك الافريقي للتصدير والاستيراد ان اكثر من 80 بالمئة من المدفوعات العابرة للحدود كانت تمر سابقا عبر مراكز مقاصة خارج القارة مما يكلف الدول الافريقية مليارات الدولارات سنويا بسبب تكاليف التسوية والعمولات.

وتابع البنك ان مركز الثقل التجاري للقارة قد تحول بشكل ملحوظ نحو الصين التي اصبحت تمثل نحو 20 بالمئة من التجارة الخارجية الافريقية. واضاف ان قرار بكين بالغاء الرسوم الجمركية على واردات 53 دولة افريقية عزز من جاذبية اليوان كاداة دفع اساسية. واكد المراقبون ان هذا التغير المنطقي يفرض على الدول الافريقية اعادة النظر في عملات التسوية لتقليل تكلفة المرور عبر عملات وسيطة لا تخدم مصالحها المباشرة.

استراتيجية تحويل الديون الى اليوان

وبينت التجربة الكينية ان تحويل القروض المرتبطة بمشاريع البنية التحتية من الدولار الى اليوان قد يحقق وفرا سنويا كبيرا في خدمة الدين. واضافت تقارير مالية ان كينيا نجحت في خفض مدفوعات احدى الدفعات بنسبة تجاوزت الثلث بعد هذا التحول. واوضح الخبراء ان هذا المسار يبدو مغريا للدول التي تعاني من ضغوط توفير السيولة الدولارية لكنه يظل محفوفا بمخاطر صرف جديدة.

وذكرت المصادر ان اثيوبيا دخلت بالفعل في مفاوضات مماثلة مع الصين لتحويل جزء من ديونها المقومة بالدولار. وشدد محللون على ان هذه الخطوة تجعل الميزانيات الوطنية اكثر ارتباطا بالعلاقة المالية مع بكين. واكدت التحليلات ان الاعتماد على اليوان لسداد الديون يتطلب تدفقات مستمرة من هذه العملة مما يضع الدول في مواجهة تحديات جديدة تتعلق بمدى توفر السيولة في الاسواق الصينية.

اليوان كعملة مكملة وليس بديلا

واظهرت نيجيريا توجها مختلفا من خلال تجديد اتفاقيات مقايضة بمليارات الدولارات مع الصين لتسهيل التجارة المباشرة. واضافت المؤسسات المالية ان بنك الشعب الصيني منح تراخيص لبنوك افريقية لتشغيل مراكز مقاصة للرنمينبي تغطي نحو 19 دولة. وبينت الارقام ان ستاندرد بنك عالج معاملات بمليارات اليوانات عبر النظام الصيني للمدفوعات العابرة للحدود.

وذكرت التقارير ان الشركات الصغيرة والمتوسطة في افريقيا تضغط باتجاه التسوية المباشرة لتقليل التكاليف. واوضح الرئيس التنفيذي لايكوبنك ان هناك مباحثات جارية لاطلاق تسوية مباشرة بين العملات المحلية واليوان. واكد خبراء مصرفيون ان السيناريو الاكثر واقعية هو ظهور نظام متعدد العملات حيث يعمل اليوان كعملة مكملة للدولار وليس بديلا جذريا له في المدى المنظور.

نظام بابس وتحدي الاستغناء عن الوسيط

وكشفت مبادرة نظام المدفوعات والتسوية الافريقي بابس عن طموح القارة في بناء بنية تحتية مالية خاصة بها. واضافت التقارير ان النظام يسمح للمستوردين والمصدرين بالدفع بعملاتهم المحلية بدلا من اللجوء للعملة الامريكية. وبينت البيانات ان النظام يربط حاليا 28 دولة واكثر من 190 مصرفا ومؤسسة مالية.

واشار القائمون على المشروع الى ان التطبيق الكامل للنظام قد يوفر 5 مليارات دولار من تكاليف المعاملات سنويا. واوضح الخبراء ان هذا النظام لا يحل مشاكل ضعف العملات المحلية او اختلال الموازين التجارية لكنه يقلل الحاجة للاحتياطيات الدولارية. وشددوا على ان نجاح بابس مرهون بقدرة الدول الافريقية على تعزيز التكامل الاقتصادي بينها.

مستقبل النظام المالي الافريقي

واكدت المعطيات الحالية ان افريقيا لا تتجه نحو التخلي التام عن الدولار بل نحو تفكيك الاعتماد المطلق عليه. واضاف المحللون ان الدولار سيظل مهيمنا على تسعير السلع والديون الخارجية في المستقبل القريب. وبينت الدراسات ان نحو 60 بالمئة من الدين العام الافريقي لا يزال مقوما بالدولار مما يصعب عملية الفكاك السريع.

وختم الخبراء بان السؤال الاهم ليس اي عملة ستنتصر بل من يمتلك قنوات الدفع والبنية المالية التي تدار من خلالها الاموال. واضافوا ان تنويع العملات سيمنح الدول الافريقية مرونة اكبر في ادارة مخاطرها المالية. واكدوا ان بناء بنية مالية افريقية مستقلة هو الضمان الوحيد لتحويل تقليص الاعتماد على الدولار الى استقلال نقدي حقيقي.