يواجه المزارعون في بلدة عرابة جنوب غربي جنين واقعا مريرا بعد ان وجدوا انفسهم تحت طائلة التهديد المباشر بفقدان مصادر رزقهم واراضيهم الزراعية. كشف المزارع حازم الشاعر عن اضطراره لجني محصول العنب قبل نضجه بأسابيع طويلة، وذلك بعد تلقيه اخطارا عاجلا بهدم مزرعته خلال ساعات محدودة بحجة قربها من مستوطنة عيمك دوتان المستحدثة على اراضي البلدة. واظهرت التطورات الميدانية ان عائلات المستوطنين بدأت بالفعل في الاستقرار داخل مساكن متنقلة نصبت على مقربة من المزارع التي كانت تعيل عشرات الافراد لسنوات طويلة.
واضاف المزارع ان تكلفة المزرعة تجاوزت مئات الاف الشواكل، وان خسارته المادية فادحة نتيجة هذا الاجراء القسري الذي يهدف الى افراغ الارض من اصحابها الاصليين. وبين ان التبريرات التي يسوقها الاحتلال بخصوص حماية المستوطنين ليست سوى غطاء لسياسة التوسع الاستيطاني التي تنهش السهل الزراعي وتدمر الاقتصاد المحلي للبلدة. واكد ان ما يحدث هو ضربة قاسية لجهود المزارعين في الصمود على ارضهم التي ورثوها ابا عن جد.
وتابع الشاعر موضحا ان المجتمع المحلي في عرابة هب للمساعدة في انقاذ ما يمكن انقاذه من المحاصيل قبل ان تطالها جرافات الاحتلال. وشدد على ان هذه الممارسات لا تهدف فقط الى التضييق الاقتصادي، بل تسعى الى فرض واقع ديموغرافي جديد ينهي الوجود الفلسطيني في مناطق حيوية من سهل عرابة الذي يعد سلة غذاء شمال الضفة الغربية.
موقع استراتيجي تحت مقصلة الاستيطان
وشهدت الايام الماضية تدشين مستوطنة عيمك دوتان بمشاركة رسمية من مسؤولين في حكومة الاحتلال، مما يعكس اصرارا على تحويل المنطقة الى بؤرة توتر دائم. واوضح رئيس بلدية عرابة احمد العارضة ان هذه الخطوة تمثل مصيبة حقيقية، حيث تحاصر المستوطنات البلدة من جهتي الشمال والغرب بينما اقيم معسكر للجيش في الجهة الشرقية. واضاف ان عمليات التجريف مستمرة لشق طرق تربط بين البؤر الاستيطانية المتباعدة، مما يؤدي الى عزل البلدة تماما عن محيطها.
وبين العارضة ان المخططات الاستيطانية تهدف الى شل حركة السكان وتقطيع اوصال البلدات والقرى الفلسطينية. واشار الى ان التضييق لا يقتصر على الارض فقط، بل يشمل منع العمال من الوصول الى مصادر رزقهم والحصار المالي المطبق على الاهالي. واكد ان الهدف النهائي من كل هذه الاجراءات هو دفع المواطنين نحو التهجير القسري او الطوعي عبر تدمير مقومات حياتهم اليومية.
وكشفت بيانات بلدية عرابة عن وجود نحو 55 اخطار هدم لمبان ومنشآت عند مدخل البلدة، نُفذ منها بالفعل 14 اخطارا حتى الان. واوضح المسؤول ان مساحات شاسعة من اراضي الزيتون والمراعي اصبحت محرمة على اصحابها منذ احداث العام الماضي. وبين ان الاحتلال يستخدم السواتر الترابية لاغلاق الاف الدونمات ومنع المزارعين من الوصول اليها، مما يوسع من رقعة الخسائر الاقتصادية التي لا يمكن حصرها في الوقت الراهن.
واقع مرير بين فكي كماشة
واكد رئيس البلدية ان اهالي عرابة يعيشون اليوم بين فكي كماشة، فمن جهة يواجهون اعتداءات المستوطنين، ومن جهة اخرى يرزحون تحت وطأة اوامر الهدم التي تصدرها الادارة المدنية. واظهرت تقارير هيئة مقاومة الجدار والاستيطان ان سلطات الاحتلال اصدرت عشرات الاوامر بوضع اليد على اراض فلسطينية في جنين خلال الاسابيع الاخيرة. واضاف ان الطرق العسكرية الجديدة لا تخدم التنقل فحسب، بل تشكل شبكة امنية تهدف الى تثبيت البؤر الاستيطانية بشكل دائم.
واشار المسؤول طارق اغبارية الى ان اقامة هذه المستوطنات تشكل كارثة ميدانية وزراعية بكل المقاييس. وبين ان هذا التصعيد يهدف الى تضييق الخناق على المواطنين وتهجيرهم من اراضيهم. واكد ان ما يشهده شمال الضفة الغربية من توسع استيطاني يوازي عقودا من المخططات السابقة، مما يضع مستقبل المحافظة امام تحديات وجودية صعبة.
واضاف اغبارية ان الهيئة ترصد بوضوح مخالفات صارخة للقانون الدولي من خلال مصادرة اراضي تقع ضمن مناطق خاضعة للسيطرة الفلسطينية. واوضح ان التوسع الاستيطاني بات يهدد القرى والمناطق التي كانت تعتبر حتى وقت قريب بعيدة عن هذا الخطر. واكد ان هذه الممارسات تهدف الى اعادة تشكيل الخارطة الاستعمارية للضفة الغربية لخدمة مشروع الضم الشامل.
تغيير ديمغرافي وتحديات مستقبلية
وظهرت مؤشرات مقلقة اليوم الاثنين مع اعلان نية الاحتلال تدشين مستوطنة غانيم شرق جنين في غضون ايام قليلة. واوضح مراقبون ان هذه الخطوات تأتي في سياق مخططات هيكلية واسعة تهدف الى تغيير ميزان الديمغرافيا في المنطقة. واكدت هيئة مقاومة الجدار ان العام الحالي شهد قفزة نوعية في سياسة الاحتلال التي انتقلت من التوسع المحدود الى انتاج مستعمرات جديدة بالكامل.
واضافت الهيئة ان هذه السياسات تعكس نية مبيتة لفرض السيادة الاسرائيلية على الارض الفلسطينية. وبينت ان الهجمات المتكررة على الاراضي الزراعية في قباطية ومركة والقرى المحيطة بجنين ليست سوى حلقات في سلسلة طويلة من الضغط الممنهج. وشدد المسؤولون على ضرورة التحرك العاجل لمواجهة هذه المخاطر التي تهدد بتمزيق النسيج الجغرافي والاجتماعي للفلسطينيين في الضفة الغربية.
واكدت الهيئات المعنية ان الصمود الشعبي يظل خط الدفاع الاول في وجه هذه المشاريع الاستعمارية. واوضحت ان التحديات تتزايد مع كل يوم يمر، لكن الارادة الفلسطينية في الحفاظ على الارض لا تزال قوية رغم كل محاولات الاقتلاع. واختتم المسؤولون حديثهم بالتشديد على ان التمسك بالارض هو الرد الوحيد على محاولات تزييف الواقع وفرض سياسة الامر الواقع التي يمارسها الاحتلال.
