يواجه المستثمرون في تونس تحديات إدارية معقدة تحول دون تحويل طموحاتهم الى واقع ملموس، ويبرز مثال المواطن محمد خليل كنموذج حي لهذه الصعوبات، حيث يقضي سنوات طويلة في متابعة ملفات مشروعه الخاص بتربية الدواجن دون ان يرى النور، مبينا ان المسار الاجرائي يشبه المتاهة التي تستهلك الوقت والجهد رغم امتلاكه لكافة الشروط المطلوبة.
واكد خليل ان المشكلة الحقيقية لا تكمن في جدوى المشاريع ذاتها، بل في الفجوة الكبيرة بين قرار الاستثمار الفعلي والقدرة على تنفيذه على ارض الواقع، واوضح ان قطاع تربية الدواجن تحديدا يخضع لرقابة صحية وبيطرية صارمة تزيد من تعقيد المعاملات الادارية وتجعل عملية الانطلاق في النشاط رحلة شاقة للمستثمر الصغير.
وكشفت التجارب الميدانية ان العديد من المشاريع تظل حبيسة الادراج بسبب تعدد الهياكل المتدخلة وتداخل التراخيص، واضاف ان طول فترة الانتظار يؤدي بالضرورة الى تجميد رؤوس الاموال وارتفاع تكلفة الانتاج بشكل غير متوقع، مما يضع المستثمرين امام خيارات صعبة قد تنتهي في كثير من الاحيان بالتخلي عن فكرة المشروع.
ارقام الاستثمار في تونس بين الطموح والواقع
واظهرت البيانات الرسمية الصادرة عن الهيئة التونسية للاستثمار ارتفاعا ملحوظا في حجم الاستثمارات المصرح بها، واشارت الاحصائيات الى ان قيمة هذه الاستثمارات بلغت مستويات قياسية مقارنة بالسنوات الماضية، مع توقعات بخلق الاف من مواطن الشغل الجديدة في قطاعات متنوعة.
وبينت وكالة النهوض بالاستثمار الخارجي ان تدفقات الرساميل الاجنبية شهدت نموا متسارعا، واكدت ان تونس لا تزال تمتلك مزايا تنافسية هامة، منها الموقع الجغرافي الاستراتيجي وقربها من الاسواق الاوروبية، اضافة الى توفر كفاءات بشرية متخصصة في مجالات حيوية مثل صناعة مكونات السيارات والطيران والنسيج.
واوضحت التقارير ان هذه الارقام تعكس جاذبية المناخ الاستثماري من حيث النوايا والتدفقات، واضافت في الوقت ذاته ان هذه المؤشرات لا تجيب بشكل كامل على التساؤلات المتعلقة بنسبة المشاريع التي تنجح فعليا في تجاوز العقبات الادارية والوصول الى مرحلة الانتاج الفعلي.
عقبات التمويل والبيروقراطية في تونس
واكد الخبير الاقتصادي سمير زنطور ان الاقتصاد التونسي يزخر بفرص واعدة، واضاف ان العائق الابرز يكمن في البيروقراطية الثقيلة التي تفرضها الترسانة القانونية الحالية، مشددا على ضرورة تحديث التشريعات لتواكب سرعة العصر وتسهل حركة رؤوس الاموال.
وكشفت بيانات البنك الدولي ان النفاذ الى التمويل يمثل العائق الاكبر امام نسبة كبيرة من المؤسسات التونسية، واوضح ان غياب خطوط ائتمان ميسرة وارتفاع التكاليف التشغيلية يضعان الشركات امام حائط مسدود، خاصة في ظل ضعف انخراط البنوك في تمويل المشاريع الجديدة والمبادرات الخاصة.
وبينت الدراسات ان المؤسسات الصغيرة والمتوسطة هي الحلقة الاضعف في هذه المنظومة، واضافت ان معدلات غلق هذه الشركات مرتفعة جدا بسبب محدودية قدرتها على الصمود امام فترات الانتظار الطويلة، مشيرة الى ان القطاع الفلاحي يعاني بشكل خاص من نقص التمويلات الموجهة للابتكار.
تطلعات نحو شراكات اقليمية ودولية
وشددت ليلى درويش خلال ملتقى اقتصادي مؤخرا على اهمية استقطاب الاستثمارات الخليجية، واوضحت ان الهدف هو تحويل تونس الى منصة اقليمية للشراكات الاستراتيجية، مشيرة الى وجود رغبة لدى المستثمرين الاجانب لاستكشاف الفرص المتاحة في بيئة تعد اكثر امانا واستقرارا مقارنة بمناطق اخرى.
واضاف المستثمر العماني احمد عمر ان تونس تظل وجهة جاذبة بفضل انفتاحها على الاستثمارات الخارجية، وبين ان المستثمرين يبحثون عن ضمانات قانونية واضحة، موضحا ان تبسيط الاجراءات وحماية الحقوق هي المعايير الاساسية التي يتم على اساسها اتخاذ قرار ضخ الاموال في اي سوق.
واكدت نادية الجلاصي ان القضاء يلعب دورا محوريا في مناخ الاستثمار، واوضحت ان تحديث منظومة التقاضي وتوفير اليات سريعة وشفافة لفض النزاعات يمنح المستثمر الثقة اللازمة، مشددة على ان مناخ الاعمال المتكامل يبدأ من التمويل وينتهي بحماية حقوق المستثمر في مرحلة ما بعد الانتاج.
