يعيش سكان قطاع غزة فصولا من المعاناة التي تتجاوز حدود الفقد والدمار لتصل الى حرمانهم من ابسط الحقوق الانسانية المتمثلة في وداع ذويهم ودفنهم بشكل لائق تحت ركام المنازل المهدمة. وكشفت التقارير الميدانية ان جرافات الاحتلال لم تعد تكتفي بهدم البنى التحتية بل تعمد الى ازالة الانقاض بشكل مكثف مما يثير مخاوف حقيقية من محو ادلة مادية دامغة على الجرائم المرتكبة بحق المدنيين. واظهرت المعطيات الحقوقية ان عمليات التجريف تجري بنسق سريع عبر نقل كميات ضخمة من الركام يوميا الى مناطق مجهولة مما يحول دون التمكن من استخراج جثامين النساء والاطفال والرجال العالقين تحت اكوام الاسمنت.
واكد مدير شبكة المنظمات الاهلية في غزة محمد صالحة ان هذه الممارسات المنهجية تهدف بشكل مباشر الى طمس معالم الجريمة والحيلولة دون المساءلة الدولية. واضاف موضحا ان هذه الاجراءات تضع عقبات كبيرة امام تحديد هوية الضحايا وتوثيق اماكن دفنهم. وبين ان حجم التدمير طال اكثر من 93% من مقابر القطاع وهو ما يعني ضياع ملامح الاف الشهداء وتشتيت متعلقاتهم الشخصية بفعل التفتيت والنقل المتعمد للركام داخل مناطق سيطرة الاحتلال.
عرقلة فرق الانقاذ وطمس الادلة
وشدد الحقوقي سمير المناعمة على ان قوات الاحتلال تفرض قيودا صارمة تمنع وصول فرق الدفاع المدني الى المناطق التي تسيطر عليها والتي باتت تشكل نحو 70% من المساحة الشرقية للقطاع. واشار الى ان هذا المنع يتزامن مع نقص حاد في المعدات والاليات اللازمة لعمليات البحث والانتشال. واوضحت مصادر ميدانية ان العمل داخل ما يعرف بالخط الاصفر يتطلب تنسيقا معقدا لا توفره سلطات الاحتلال مما يبقي الاف الجثامين تحت الانقاض دون اي امل في انتشالها.
واضاف مدير الدفاع المدني في غزة رائد الدهشان ان فرق الانقاذ تواجه تحديات ميدانية بالغة الصعوبة والتعقيد في ظل غياب التجهيزات الضرورية. وبين ان الوصول الى المواقع المستهدفة بات امرا شبه مستحيل في ظل الحظر العسكري المفروض. واكد ان هذه الشهادات تأتي في وقت قدر فيه المرصد الاورومتوسطي لحقوق الانسان حجم الركام الذي جرى تفتيته وازالته بنحو 10 ملايين طن مما يعزز فرضية التخلص المتعمد من الادلة الجنائية.
معاناة الاحياء في رحلة البحث عن مفقوديهم
وكشفت قصص الناجين عن فاجعة مضاعفة حيث يقضي الكثيرون وقتهم في محاولة الوصول الى اي معلومة حول مصير عائلاتهم المفقودة تحت الركام في المناطق المحظورة. واوضح المواطنون ان مرارة الفقد تضاعفت بسبب حرمانهم من حق دفن احبائهم في قبور معلومة. واضافوا ان غياب هذه الادلة يمثل ضربة قاسية لمحاولات مقاضاة الاحتلال على جرائمه في المحافل الدولية. وبينت الاحصائيات ان حجم الدمار طال نحو 90% من البنية التحتية في القطاع المحاصر مما يجعل من عملية اعادة الاعمار او حتى البحث عن المفقودين تحديا يستمر لسنوات طويلة.
