تشهد منطقة الخليج تحولات جيوسياسية متسارعة في ظل استمرار حالة التوتر حول مضيق هرمز الذي يعد الشريان الحيوي لنقل الطاقة عالميا، حيث تسعى دول المنطقة لابتكار حلول عملية تضمن استدامة تدفقات النفط بعيدا عن مخاطر الصراعات العسكرية والضغوط الدولية. وتكشف المعطيات الحالية أن تباين المواقف بين القوى الدولية وايران دفع دول الخليج نحو تبني استراتيجيات مرنة لضمان أمنها القومي والاقتصادي في مرحلة تتسم بعدم اليقين.
واضاف المحلل السياسي حسين جمال أن دول الخليج باتت تدرك أن الاعتماد على مسار واحد لتصدير النفط يمثل مخاطرة كبيرة في ظل معادلة اللاحرب واللاسلم الراهنة، مبينا أن الاقتصادات الكبرى مثل الصين واليابان وكوريا الجنوبية تتأثر بشكل مباشر بأي اضطراب في هذا الممر المائي الاستراتيجي الذي كان يضخ نحو عشرين بالمئة من امدادات العالم.
واوضح الاكاديمي خالد محمد باطرفي أن مضيق هرمز يظل المعبر الوحيد لبعض الدول مثل العراق التي تعاني من اختناق في خيارات التصدير، مشيرا إلى أن السعودية بدأت بالفعل في تفعيل بدائل لوجستية عبر موانئ البحر الأحمر والتعاون مع سلطنة عمان لتجاوز الاعتماد الكلي على المضيق رغم ارتفاع التكاليف التشغيلية.
تحولات في حركة الملاحة وتراجع السفن
وبينت بيانات الشحن الدولية تراجعا ملحوظا في حركة السفن العابرة عبر مضيق هرمز خلال الايام الماضية، موضحا أن ملاك السفن يفضلون تجنب المنطقة لتفادي المخاطر الأمنية المرتفعة وتكاليف التأمين الباهظة.
واظهرت الاحصاءات الاخيرة انخفاض عدد السفن التي تعبر المضيق بشكل يومي لتسجل أدنى مستوياتها منذ مطلع شهر اغسطس الجاري، مما يعكس حالة الحذر التي تسيطر على قطاع النقل البحري العالمي في ظل استمرار التهديدات المتبادلة.
واكد خبراء الطاقة أن استمرار هذه الاضطرابات يفرض ضغوطا إضافية على أسعار النفط العالمية، موضحة أن سلاسل التوريد تحتاج إلى استقرار طويل الأمد لضمان عدم حدوث هزات اقتصادية قد تؤثر على الدول المستهلكة والمنتجة على حد سواء.
نحو تحالفات إقليمية جديدة بعيدا عن المظلة الأمريكية
وكشفت التطورات الأخيرة أن الاعتماد على الدور الأمريكي كضامن وحيد لأمن المنطقة لم يعد كافيا، مما دفع دول الخليج نحو بناء توازنات اقليمية جديدة تعزز من قدراتها الذاتية على حماية مصالحها الحيوية.
واضاف حسين جمال أن هناك توجها خليجيا لتعزيز التعاون الدفاعي مع قوى اقليمية مثل تركيا وباكستان، مبينا أن اتفاقيات الدفاع المشترك قد تشكل نواة صلبة لمواجهة أي فراغ أمني قد ينجم عن تراجع الدور الغربي في ملفات المنطقة.
وشدد باطرفي على أهمية تفعيل التحالفات القائمة بالفعل مثل تحالف دعم الشرعية والتحالف الاسلامي، موضحا أن المنطقة تمتلك أطرا قانونية وعسكرية كافية إذا توفرت الإرادة السياسية لتوحيد الجهود وحماية خطوط الطاقة بعيدا عن التجاذبات الدولية.
