تتصاعد التساؤلات حول حقيقة ما يجري على الارض في قطاع غزة في ظل التباين الكبير بين تصريحات القيادة السياسية الاسرائيلية وما يتم تداوله عبر المؤسسة الامنية حول مآلات خطة مجلس السلام. وبينما تشير بعض المعطيات الى وجود ترتيبات غير معلنة تهدف لخفض التصعيد تبرز مواقف متناقضة تزيد من تعقيد المشهد الميداني والسياسي في القطاع.

وكشفت مصادر مطلعة ان الخطة المتعلقة بقطاع غزة لا تزال قائمة وفعالة من وجهة نظر مجلس السلام رغم اعلان رئيس الوزراء الاسرائيلي رفضه الصريح لوثيقة النقاط الخمس عشرة. واضافت المصادر ان قنوات الاتصال لا تزال مفتوحة بين مجلس السلام وحركة حماس لضمان استمرار مسار التفاهمات بعيدا عن ضجيج التصريحات الاعلامية.

واكدت زيارة قائد القيادة المركزية الامريكية لمركز التنسيق المدني العسكري التزام واشنطن بدعم مسار وقف اطلاق النار والعمل على تذليل العقبات امام تنفيذ البنود المتفق عليها. وبينت التحركات الاخيرة ان هناك مساعي دولية حثيثة لتهيئة مسار سياسي يضمن الانسحاب الاسرائيلي وتمكين ادارة مستقلة للقطاع.

واقع المشهد الميداني

واوضح المتخصص في الشؤون الاسرائيلية مؤمن مقداد ان حالة الضبابية التي تفرضها التصريحات الرسمية الاسرائيلية تعيق فهم التطورات الحقيقية على الارض. واشار الى ان ما يتم تسريبه عبر الاعلام الاسرائيلي غالبا ما يتناقض مع الاجراءات العسكرية التي تشهدها المناطق الحدودية.

واظهرت المتابعات الميدانية انخفاضا ملحوظا في الغارات الجوية وعمليات الاغتيال خلال الايام الاخيرة مما يعطي مؤشرا على وجود حالة هدوء نسبي. وشدد المتحدث باسم الدفاع المدني على ان الطواقم لم تسجل عمليات قصف واسعة منذ مطلع الاسبوع الجاري وهو ما يتزامن مع رصد محدود لاطلاق النار في مناطق التماس.

واضافت وزارة الصحة في غزة ان وتيرة الاستهدافات تراجعت بشكل لافت رغم استمرار بعض الحوادث العشوائية التي تؤدي الى سقوط ضحايا. واكدت ان هذا الهدوء لا يزال في اطار التمهيد والمشاورات ولم يرتق بعد الى مرحلة التنفيذ الفعلي لبنود الانسحاب المطلوبة.

غياب الانسحاب العسكري

وبينت عمليات الرصد الميداني في عدة مناطق ان القوات الاسرائيلية لا تزال متمركزة في مواقعها المتقدمة ولم تبد اي مؤشرات على التراجع. واوضحت ان جباليا وحي التفاح ودير البلح تشهد حالة من تثبيت الوجود العسكري بدلا من الانسحاب الموعود.

واضاف شهود عيان ان القوات الاسرائيلية عمدت الى تعزيز مواقعها عبر اقامة سواتر ترابية وابراج مراقبة جديدة في عدة محاور. وكشفت هذه التحركات عن توسع مستمر في نطاق السيطرة الاسرائيلية الذي تجاوز النسب المتفق عليها في التفاهمات السابقة.

واكد سكان محليون ان واقعهم المعيشي لم يشهد تغيرا ايجابيا رغم الحديث عن اتفاقات تهدئة. وبينوا ان التهديدات الامنية واطلاق النار العشوائي لا يزالان يشكلان خطرا يوميا على حياة النازحين في مختلف المناطق.

الضغط الامريكي المحدود

وكشف المحلل السياسي مصطفى ابراهيم ان التحرك الامريكي الاخير يمثل محاولة لدفع عجلة التنفيذ لكنها لا تزال تواجه عراقيل داخلية اسرائيلية. واضاف ان نتنياهو يمارس سياسة المماطلة لتجنب الاستحقاقات السياسية التي قد تضعه في مواجهة مع تياراته المتطرفة.

واكد ابراهيم ان فعالية مجلس السلام مرهونة بمدى جدية واشنطن في ممارسة ضغوط حقيقية على الجانب الاسرائيلي. وبين ان الدور الحالي للمبعوثين الدوليين لا يزال يفتقر الى القوة اللازمة لفرض الالتزام بالجدول الزمني للانسحاب.

واضاف ان استمرار حالة البطء يمنح اسرائيل فرصة اضافية لتغيير الواقع الجغرافي والديموغرافي للقطاع. وشدد على ان غياب الوضوح حول توقيت الانسحاب يعمق الازمة الانسانية ويجعل من تنفيذ الخطوات السياسية امرا بعيد المنال.

موقف حماس من المماطلة

وقالت حركة حماس ان الاحتلال يتحمل المسؤولية الكاملة عن تعطيل تنفيذ بنود الاتفاق عبر سياسة المماطلة المتعمدة. واضاف القيادي في الحركة محمود مرداوي ان حماس قدمت التزاماتها كاملة وتنتظر من الوسطاء اتخاذ موقف حازم تجاه الطرف المعطل.

واكد مرداوي ان الولايات المتحدة بصفتها الراعي الاساسي للاتفاق مطالبة بالضغط على اسرائيل للبدء بالخطوات العملية. وبين ان الحركة لا تزال تراهن على مسار الوسطاء الدوليين لتحقيق الحد الادنى من الحقوق الفلسطينية.

واضاف ان المسؤولين في مجلس السلام مطالبون بالشفافية امام الرأي العام وتسمية الطرف الذي يعرقل المسار السياسي. واختتم مرداوي بالتأكيد على ان الحركة لن تقبل بتفريغ الاتفاق من مضمونه او تحويله الى غطاء لاستمرار الوضع الراهن.