تواجه القارة الاوروبية ازمة اقتصادية خانقة نتيجة موجات الحر غير المسبوقة التي تضرب دولها حيث تشير التقديرات المالية الحديثة الى احتمال خسارة نحو واحد بالمئة من الناتج المحلي الاجمالي للاتحاد الاوروبي خلال العام الجاري. وتصل هذه الخسائر المادية الى مستويات قياسية تقدر بنحو مئة وثمانين مليار يورو مما يضعف آمال القارة في تحقيق معدلات نمو مستقرة وسط تراجع حاد في الانتاجية الصناعية وتوقف سلاسل الامداد الحيوية. واضافت التقارير ان فرنسا تعد من اكثر الدول تضررا حيث تواجه انكماشا اقتصاديا ملموسا يهدد استقرارها المالي في ظل استمرار الظروف المناخية القاسية.

حالة استنفار في بريطانيا

وبينت التحركات الاخيرة في بريطانيا دخول البلاد في موجة خامسة من الحر الشديد مما دفع الحكومة الى عقد اجتماعات طارئة للبحث عن حلول سريعة لاحتواء التداعيات. واكدت البيانات الرسمية ان ملايين المواطنين يعانون من موجات جفاف حادة وسط قيود مشددة على استهلاك المياه بعد تسجيل ارقام قياسية في درجات الحرارة هي الاولى من نوعها منذ عقود طويلة. واوضح الخبراء ان الحرائق الغابوية المتزايدة والوفيات المرتبطة بارتفاع درجات الحرارة تفرض ضغوطا هائلة على الميزانية العامة للدولة.

وكشفت الدراسات ان تقليص ساعات العمل في القطاعات الاقتصادية البريطانية تسبب في ضياع مليارات الجنيهات الاسترلينية مع تصاعد مطالبات العمال بتعويضات عن ظروف العمل القاسية. وشدد الباحثون على ان القطاع الزراعي يواجه تهديدا وجوديا مع توقعات بخسائر فادحة في المحاصيل الاساسية. واشار المحللون الى ان هذه الضغوط المالية تضع الحكومة امام تحديات صعبة في ادارة الموارد والخدمات الاساسية للمواطنين.

انكماش الانتاجية في المانيا

وذكرت التقارير الاقتصادية من المانيا ان تأثيرات الحرارة توصف بالكارثية نظرا للتكلفة الباهظة المتوقعة خلال السنوات القادمة والتي قد تعادل ناتج دولة كاملة. واظهرت الدراسات ان تجاوز درجات الحرارة لحاجز الثلاثين مئوية يؤدي الى انخفاض فوري في مستويات الانتاج الصناعي وارتفاع تكاليف الطاقة بشكل كبير. وبينت الاوضاع الميدانية ان انخفاض منسوب مياه نهر الراين تسبب في تعطل حركة الملاحة النهرية مما ادى الى جنوح السفن وتوقف توريد المواد الخام للصناعات الكيماوية والصلب.

واكد الخبراء ان الشركات تحاول البحث عن بدائل عبر السكك الحديدية لكنها تظل حلولا غير كافية امام ضخامة التحديات اللوجستية الراهنة. واوضحت البيانات ان الاجهاد البدني للعمال وضعف انظمة التبريد في المباني القديمة يساهمان بشكل مباشر في تراجع معدلات الاداء الصناعي. واضاف المختصون ان استمرار هذه الظاهرة سيؤدي حتما الى تباطؤ اقتصادي طويل الامد في القارة العجوز.

شلل اللوجستيات وشرايين التصنيع

وكشف خبراء الاقتصاد ان الافتقار الى انظمة التكييف الحديثة في المنشآت الصناعية والمكاتب يعد سببا رئيسيا في تراجع انتاجية العمالة بشكل ملحوظ. واكد المحللون ان قطاعات الادوية والكيماويات تعد الاكثر هشاشة لكونها تعتمد بشكل كلي على مياه الانهار في عمليات التبريد والتصنيع. وبين الخبير الاقتصادي كارستن برزيسكي ان البدائل اللوجستية مثل الشاحنات والقطارات لا يمكنها استيعاب حجم الشحنات التي كانت تنقل عبر الانهار مما يجعل خفض الانتاج الصناعي خيارا لا مفر منه.

واوضح ان الارتباط الوثيق بين كفاءة سلاسل الامداد والظروف المناخية يجعل الاقتصاد الاوروبي في حالة انكشاف دائم امام تقلبات الطقس. وشدد على ضرورة اعادة النظر في البنية التحتية للمصانع لتكون اكثر مقاومة للحرارة العالية. واضاف ان الازمة الحالية تفرض واقعا جديدا على الصناع والمستثمرين في اوروبا لضمان استمرارية العمل في ظل التغيرات المناخية المتسارعة.