عادت سياسة الاغتيالات المباشرة لتتصدر المشهد الميداني في قطاع غزة، وذلك بعد فترة قصيرة من فرض قيود على هذه العمليات بضغط من الادارة الامريكية لضمان سير خريطة الطريق الخاصة بوقف اطلاق النار. واظهرت التطورات الاخيرة ان هذه السياسة عادت للواجهة مجددا رغم الوعود بتجميدها، مما دفع مراقبين للتشكيك في جدية الالتزام بالاتفاقيات الدولية المبرمة.

وكشفت وزارة الداخلية في غزة عن اغتيال مدير شرطة المحافظة جمال ابو كميل في قصف استهدف مركبته وسط مدينة غزة، وهو ما اعتبرته حركة حماس تصعيدا يهدف لتعميق الكارثة الانسانية وخلق حالة من الفوضى الامنية في القطاع. واكدت الحركة ان هذا الاستهداف يثبت رغبة الاحتلال في تقويض كل مساعي الوسطاء الرامية لتحقيق استقرار دائم.

وبينت الوقائع الميدانية ان وتيرة الخروقات الاسرائيلية لم تتوقف تماما، حيث سجلت وزارة الصحة استشهاد واصابة مئات الفلسطينيين خلال الفترة الماضية رغم دعوات سابقة من مسؤولين دوليين بوقف الغارات. واوضحت مصادر مطلعة ان الجيش الاسرائيلي لا يزال يحتفظ بهامش مناورة واسع تحت ذريعة مواجهة التهديدات الفورية، مما يجعل الالتزام بالتهدئة مجرد حبر على ورق.

مناورة عسكرية تحت غطاء التهدئة

واضاف محللون ان العودة لاستهداف الكوادر الشرطية ليست مجرد فعل عشوائي، بل هي جزء من استراتيجية مدروسة تهدف لافراغ المؤسسات الامنية من محتواها. وشدد هؤلاء على ان نتنياهو يمارس ازدواجية واضحة بين تصريحاته الاعلامية التي تظهر التزامه بالهدوء وبين ممارساته الميدانية التي تستهدف اعادة خلط الاوراق.

واكدت هيئة البث الاسرائيلية ان رئيس الاركان كان قد قيد الغارات، لكن هذه التعليمات تلاشت سريعا امام الضغوط اليمينية المتطرفة داخل الحكومة. واوضحت التقارير ان القوات الميدانية لا تزال تتلقى توجيهات ضمنية تسمح لها بمواصلة الاستهدافات طالما توفرت المعلومات الاستخباراتية الدقيقة، مما يضع مستقبل خريطة الطريق امام مجهول كبير.

وبينت المعطيات ان الشارع الفلسطيني يعيش حالة من القلق المتزايد جراء هذا الفراغ الامني المفتعل، لا سيما مع استهداف عناصر الشرطة الذين يتولون مهام تنظيم الامن العام في الشوارع الرئيسية. واكد مراقبون ان هذا التصعيد يهدف بشكل مباشر الى عرقلة اي محاولة لتمكين ادارة فلسطينية مستقلة في القطاع.

نتنياهو يرفض تغيير سياسة النار

واشار نتنياهو في اجتماعات امنية مغلقة الى ان تعليمات اطلاق النار لم ولن تتغير، مؤكدا دعمه الكامل لقواته في احباط اي تهديد يواجههم. واوضحت صحف اسرائيلية ان هذا الموقف ياتي في سياق رفض رئيس الوزراء لخريطة الطريق التي تفرض شروطا لا يراها الاحتلال مناسبة في المرحلة الراهنة.

وذكرت مصادر عسكرية ان هناك رغبة لدى القيادة الاسرائيلية في استعادة صورة الردع التي تآكلت خلال الشهور الماضية، مما يدفعها لتنفيذ عمليات نوعية ضد قيادات ميدانية. واكد وزراء في الكابينت انهم يرفضون اي اتفاق لا يتضمن نزع سلاح الفصائل بشكل كامل، وهو ما يعتبر تعجيزا لمسار المفاوضات الجاري.

وتابعت القناة الثانية عشرة ان جنود الاحتلال يختبرون ردود الفعل عبر استفزازات يومية على طول الخط الفاصل. واوضحت ان هذا الاسلوب يهدف الى قياس مدى قدرة الجانب الفلسطيني على الصمود في وجه الاستفزازات قبل اتخاذ قرارات تصعيدية اكبر، مما يكرس حالة التوتر المستمر.

الفصائل تحذر من الانحياز الدولي

واكدت الفصائل الفلسطينية ان اغتيال مدير الشرطة جريمة وحشية تستوجب تدخلا دوليا فوريا لوضع حد لهذه العربدة. وشددت على ان الصمت الدولي والغطاء الذي توفره الادارة الامريكية يشجعان الاحتلال على الاستمرار في سياسة الاغتيالات وتجاوز كل التفاهمات.

واضافت الجبهة الشعبية ان الوسطاء الدوليين اصبحوا مطالبين بالخروج من دائرة الوعود والبدء بخطوات عملية للضغط على الاحتلال. وبينت ان استمرار الانحياز الامريكي يعطي الضوء الاخضر لنتنياهو للمضي قدما في مشاريعه التدميرية دون خوف من محاسبة او عقوبات.

واكد المحلل السياسي وسام عفيفة ان الرهان على الدور الامريكي بدا يتراجع بشكل ملحوظ في اوساط القوى الفلسطينية. واوضح ان الفصائل ادركت ان الوعود بنجاح خريطة الطريق لم تكن سوى وسيلة لكسب الوقت، مما دفعها لاعادة تقييم خياراتها الميدانية والسياسية.

ما الرسائل الاسرائيلية من الاغتيالات؟

واوضح الخبير مهند مصطفى ان اسرائيل ترسل رسالة واضحة لكل الاطراف بانها غير معنية بالالتزام باي اتفاق يحد من حرية حركتها العسكرية في غزة. وشدد على ان الاغتيالات ستستمر كاداة ضغط سياسي وليس فقط كعمليات امنية.

وبين وديع عواودة ان اسرائيل تسعى لتحقيق صورة انتصار امام جمهورها الداخلي قبل الانتخابات المقبلة. واكد ان نتنياهو يواجه اتهامات بالفشل في تحقيق اهداف الحرب، لذا فهو يحاول تعويض هذا الفشل من خلال تصعيد ميداني يظهر به بمظهر القوي الذي لا يرضخ للضغوط.

واشار عواودة الى ان اغتيال المسؤول الامني اليوم يعيد الجميع الى مربع الصفر في الحسابات الميدانية. وخلص الى ان المرحلة القادمة ستكون محفوفة بالمخاطر، حيث سيستمر نتنياهو في المناورة السياسية والميدانية حتى موعد الانتخابات، مما يعني ان الهدوء لا يزال بعيد المنال.

ضغوط واشنطن تحت الاختبار

واكد المحلل عفيفة ان الادارة الامريكية فشلت حتى الان في اختبار الضغط على حليفتها اسرائيل. وبين ان هناك تساؤلات جدية حول مدى رغبة واشنطن الحقيقية في فرض التهدئة، ام انها تكتفي ببيانات الاستنكار دون خطوات ملموسة.

واضاف عواودة ان هناك تفاهمات ضمنية قد تجري خلف الكواليس تسمح لاسرائيل ببعض العمليات المحدودة. وشدد على ان واشنطن قد تغض الطرف عن بعض الاغتيالات مقابل التزام اسرائيلي شكلي بخريطة الطريق لتجنب انهيار الاتفاق بالكامل.

واوضح ان مصير غزة بات معلقا بين طموحات اليمين الاسرائيلي وضغوط المجتمع الدولي المتزايدة. وخلص الى ان الايام القادمة ستشهد المزيد من التقلبات الامنية التي ستختبر مدى صمود التفاهمات الهشة في ظل غياب ارادة دولية حقيقية للجم العدوان.