تتجلى اليوم في غزة مشاهد قاسية تعيد الى الذاكرة لحظات مفصلية مرت بها القضية الفلسطينية في وجدان العالم العربي. وبينما يوارى العشرات من الشهداء الثرى في مشهد جنائزي مهيب يختزل سنوات من الالم والحصار، يستحضر الكثيرون قصة نجاح محمد عساف الذي كان يوما ما رمزا للأمل والتحرر من قيود الجغرافيا. واضاف المراقبون ان غزة التي كانت تراهن على صوتها الجميل لتصل الى قلوب العرب، باتت اليوم تواجه واقعا مغايرا تماما تسيطر عليه مشاهد الوداع الاخير. وبينت التحليلات ان الفارق بين لحظة فوز عساف وبين مشهد الجنازات الجماعية يعكس تحولا جذريا في المزاج العربي العام.
تحولات في الوعي الجمعي العربي
واكدت القراءات التحليلية ان الجمهور العربي في الماضي كان يبحث عن بطل مدني يمثل طموحات الشعوب ويقدم صورة مشرقة عن الحياة رغم قسوة الظروف. واوضح المتابعون ان نجاح عساف في ذلك الوقت كان بمثابة انتصار رمزي للفلسطيني الذي استطاع كسر الحواجز وتحدي الواقع بابتسامة وصوت عذب. وشدد المحللون على ان تلك الفترة كانت تعبر عن رغبة الشعوب في رؤية الجمال يتفوق على القبح والابداع يغلب على الانكسار السياسي.
واشار المتابعون للمشهد الفلسطيني الى ان الجنازات اليوم لم تعد مجرد حدث عابر بل باتت تكشف عن عجز النظام الدولي وتراجع قدرة الشعوب على تحويل التعاطف الى فعل حقيقي. واضافوا ان البكاء اصبح اللغة المشتركة بين الجميع بدلا من التصفيق الذي ميز مرحلة الاحلام الوردية. وبينت الوقائع ان الفجوة بين زمن الاغنية وزمن النعوش تعبر بدقة عن حالة الانهاك التي اصابت الضمير العربي امام حجم المأساة.
من حلم النهضة الى اختبار الضمير
وكشفت التطورات الميدانية ان الفلسطيني اليوم يجد نفسه محاصرا في صورة الضحية المطلقة التي تستهلك التعاطف دون قدرة على تغيير المصير. واضاف المراقبون ان الانتقال من مرحلة الاعتقاد بأن النجاح الفردي يمكن ان يقود نهضة جماعية الى مرحلة الشعور بالخدر واللامبالاة يمثل اخطر تحول في المزاج العام. واكدوا ان المسافة بين ليلة التتويج ويوم الوداع الكبير تتجاوز مجرد التفاصيل الزمنية لتصبح فاصلا بين زمن كان العرب يحلمون فيه بالخروج من المأزق وزمن اصبحوا فيه يصارعون من اجل البقاء.
