تواصل اسرائيل فرض واقع ميداني جديد يرتكز على مبدأ البقاء من خلال التوسع العسكري المستمر، حيث تبتعد خيارات الانسحاب من المناطق التي تسيطر عليها في غزة ولبنان وسوريا عن اجندة صناع القرار في تل ابيب. واظهرت تصريحات وزير الدفاع يسرائيل كاتس خلال جولة ميدانية في جنوب لبنان ثبات هذا التوجه، مؤكدا ان الجيش لن يغادر المواقع التي يسيطر عليها تحت اي ظرف، ومشددا على ضرورة اقامة ما اسماه منطقة امنية عازلة لضمان امن الدولة العبرية.

واكدت الممارسات الميدانية منذ السابع من اكتوبر ان هذا النهج ليس مجرد تصريحات سياسية، بل هو استراتيجية عمل قائمة على تحويل المناطق المستهدفة الى بقع غير قابلة للحياة البشرية. وبينت تقارير دولية ان هذا الاسلوب المتبع في غزة يتم استنساخه في جنوب لبنان، بهدف خلق واقع يفرض على السكان الرحيل او الخضوع لقواعد الاحتلال الامنية، وهو ما يعكس قناعة اسرائيلية عميقة بان الحماية لا تتحقق الا عبر الجدران والعزلة.

واضاف مراقبون ان هذه الرؤية تتقاطع مع سردية الدفاع عن النفس التي تتبناها تل ابيب لتبرير الانتهاكات الواسعة للقانون الدولي، حيث يتم تسويق كل عدوان على انه ضرورة وجودية، وكل تدمير على انه وسيلة لتحقيق الامن. واوضح الخبراء ان هذا الخطاب يهدف الى كسب تعاطف دولي وتغطية سياسية تمنع اي محاسبة قانونية، مما يعزز من قدرة حكومة نتنياهو على المضي قدما في مشاريعها الاستيطانية والعسكرية دون اكتراث بالضغوط الخارجية.

عقلية الحصار وذريعة الدفاع عن النفس

وكشفت التحليلات ان العقلية الاسرائيلية الحاكمة تنطلق من شعور دائم بانها دولة محاصرة وسط بيئة معادية، مما يبرر لها اتخاذ اجراءات استباقية قاسية. واشار محللون الى ان التركيز على سردية الضحية وتوظيفها في السياق الغربي يمنح تل ابيب غطاء اخلاقيا للاستمرار في سياسات التهجير وتوسيع المناطق العازلة، معتبرين ان هذا النهج اصبح جزءا لا يتجزا من العقيدة السياسية لليمين المتطرف.

واكدت التطورات الاخيرة ان رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو لا يجد حرجا في التمسك بهذا المسار، رغم التنديد الدولي المتصاعد والمطالبات بمحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات في غزة والضفة الغربية. وبينت المتابعات ان نتنياهو يراهن على استمرار الدعم الغربي وتفهم الادارة الامريكية لمخاوف اسرائيل الامنية، مما يجعل من اي حديث عن سلام عادل او دولة فلسطينية مجرد شعارات فارغة في ظل الواقع الذي تفرضه القوة على الارض.

واضافت المصادر ان التحولات في الشارع العالمي تجاه القضية الفلسطينية لم تصل بعد الى مرحلة الضغط المؤثر على مراكز صنع القرار في واشنطن، مما يبقي اسرائيل في حالة من الحصانة النسبية. واوضحت ان الترابط بين عقلية الحصار وفكرة الجدار الحديدي يجعل من اي دعوات للتهدئة تصطدم بجدار من التعنت الاسرائيلي الذي يرى في القوة المفرطة الوسيلة الوحيدة للاستمرار.

عندما تحكم الجدر العازلة

وتشير المعطيات الميدانية الى ان اسرائيل توسع رقعة الجدر العازلة لتشمل حدودها مع الاردن وسوريا، اضافة الى ما يتم بناؤه من تحصينات تقنية داخل المناطق المحتلة. واوضحت التحليلات ان هذا التوجه يستند الى فكر زئيف جابوتنسكي الذي نادى منذ عقود ببناء قوة عسكرية كاسحة تجبر العرب على التسليم بالامر الواقع، وهو الفكر الذي يتبناه نتنياهو ورموز اليمين المتطرف كمرجعية اساسية للسياسة الخارجية والامنية.

وبينت خطة الحسم التي اقرها حزب الصهيونية الدينية ان الهدف النهائي هو فرض السيادة الكاملة على ارض اسرائيل، مع وضع الفلسطينيين امام خيارات محدودة تتراوح بين الخضوع التام او الرحيل. واكد مراقبون ان هذه الخطة لم تعد مجرد افكار نظرية، بل يتم تطبيقها تدريجيا في الضفة الغربية من خلال تسريع الاستيطان وتصعيد عنف المستوطنين بحماية قوات الجيش.

واضاف المحللون ان تصريحات نتنياهو برفض قيام دولة فلسطينية تعكس التوجه العام لحكومته، والتي تسعى لقطع الطريق على اي تسوية سياسية مستقبلية. واوضحوا ان التباين بين الخطاب الامريكي حول السلام والواقع الاسرائيلي على الارض يؤكد ان واشنطن لا تزال تمنح تل ابيب الضوء الاخضر للمضي في استراتيجيتها القائمة على الاحتلال الدائم.

السلام تحت الاحتلال

وتوضح الاحداث ان مفهوم السلام لدى اسرائيل لا يعني الانسحاب او الاعتراف بحقوق الاخرين، بل يعني فرضه تحت مظلة القوة والترتيبات الامنية التي تخدم مصالحها فقط. واكدت التقارير ان رفض نتنياهو تنفيذ التزامات وقف اطلاق النار في غزة ياتي في اطار هذا الفهم، حيث يتم استخدام المفاوضات كادوات تكتيكية لكسب الوقت وترسيخ السيطرة الميدانية.

وبينت المواقف الامريكية الاخيرة ان هناك تفهما ضمنيا للرؤية الاسرائيلية، خاصة في ظل التوازنات السياسية الداخلية في الولايات المتحدة واقتراب المواعيد الانتخابية. واوضحت ان هذا الدعم يمنح اسرائيل شعورا بالامان لمواصلة عملياتها العسكرية في لبنان وسوريا، متجاهلة اي تحذيرات من عواقب هذا التصعيد على استقرار المنطقة.

واختتم المحللون بان المشهد الحالي يؤكد غياب اي ارادة اسرائيلية حقيقية للسلام، وان المستقبل القريب يحمل في طياته المزيد من التوترات. واشاروا الى ان الرهان على القوة والعنف لن يؤدي الا الى مزيد من التعقيد، بينما يبقى السلام الحقيقي بعيد المنال في ظل سيطرة عقلية الجدار الحديدي على مراكز القرار في تل ابيب.