يفتح اللقاء العلني الذي جمع المبعوث الامريكي جاريد كوشنر بوفد من حركة حماس في القاهرة صفحة جديدة في العلاقات الدولية تجاه الملف الفلسطيني. ويرى مراقبون ان هذه الخطوة تمثل تحولا جذريا في الرؤية الامريكية التي بدات تتعامل مع الواقع الميداني بعيدا عن الشعارات السابقة. واظهر هذا التحرك ان واشنطن لم تعد تنظر الى الحركة باعتبارها جزءا من ازمة فحسب بل باتت تتعامل معها كطرف فاعل لا يمكن تجاوزه في مسار الحل السياسي المقبل.

واضاف الخبير في الشؤون الاسرائيلية عادل شديد ان هذا الاجتماع لم يكن وليد اللحظة بل جاء تتويجا لاتصالات سرية سبقت هذا الظهور العلني. وبين ان صمود الشعب الفلسطيني وفشل الخطط العسكرية في اجتثاث الحركة دفعا الادارة الامريكية لاعادة حساباتها بشكل دقيق. واكد ان هذا التطور يضع حكومة الاحتلال في مأزق سياسي حقيقي حيث ترى تل ابيب في هذا الانفتاح اعترافا ضمنيا يمنح الحركة شرعية دولية كانت ترفضها طويلا.

واوضح شديد ان حالة الارتباك التي تعيشها حكومة نتنياهو نابعة من خوفها من تداعيات هذا المسار على الداخل الاسرائيلي. واشار الى ان رئيس الوزراء يدرك ان هذا اللقاء قد يفتح الباب امام اعترافات عربية وغربية اخرى ما يعمق الفجوة بين واشنطن وتل ابيب. وشدد على ان نتنياهو يحاول حاليا التهرب من اتخاذ موقف رسمي تجنبا لمواجهة غضب الشارع الذي يلقي عليه باللوم في تدهور العلاقات مع الحليف الامريكي.

مسارات التفاوض وخارطة الطريق الجديدة

ومن جانبه يرى مدير مركز رؤية للتنمية السياسية احمد عطاونة ان المقاومة الفلسطينية نجحت في وضع نفسها في موقع تفاوضي متقدم عبر التنسيق مع الوسطاء. واضاف ان خارطة الطريق التي جرى بحثها مع المبعوث الامريكي تتضمن بنودا واضحة للانتقال الى المرحلة الثانية من اتفاق وقف اطلاق النار. وبين ان الاتفاق يرتكز على تمكين لجنة فلسطينية من ادارة قطاع غزة والبدء في انسحاب قوات الاحتلال بشكل كامل.

واكد عطاونة ان الطرف الامريكي ابدى موافقة مبدئية على هذه الرؤية مما يجعل الموقف الاسرائيلي هو العقبة الوحيدة امام التنفيذ. واوضح ان التفاؤل يبقى حذرا نظرا لعدم استعداد حكومة نتنياهو للالتزام باستحقاقات السلام. وشدد على ان الامر يتطلب ضغوطا امريكية مكثفة ومباشرة لاجبار تل ابيب على الانصياع للارادة الدولية التي تبلورت اخيرا ببيان عربي داعم لانهاء الحرب.

واشار الخبير في الشأن الاسرائيلي سليمان بشارات الى ان مهمة كوشنر تتركز في ممارسة اقصى درجات الضغط على نتنياهو لتغيير مساره. واضاف ان الادارة الامريكية اصبحت امام حرج كبير بعد الاجماع الاقليمي على ضرورة وقف الحرب. وبين ان لقاء كوشنر بوفد الحركة يكسر احدى اهم المحرمات الاسرائيلية وهي منع اي طرف فلسطيني من حكم غزة مما يغير قواعد اللعبة تماما.

نتنياهو بين ضغوط واشنطن وحسابات البقاء

واكد بشارات ان رئيس الوزراء الاسرائيلي سيحاول استغلال عامل الوقت للالتفاف على هذه الضغوط الامريكية. واضاف ان نتنياهو قد يلجا لتاجيل خطواته الى ما بعد الانتخابات الاسرائيلية في محاولة لكسب هامش للمناورة. وبين ان هذه السياسة تهدف بالاساس الى ارباك الحسابات الميدانية والسياسية الامريكية لضمان بقائه في السلطة.

وكشفت تقارير اخرى ان كوشنر وجه نصيحة صريحة للوفد الفلسطيني بضرورة عدم ربط مصيرهم بالانتخابات الاسرائيلية. واضاف ان هناك اجماعا داخل النخبة الاسرائيلية بخصوص غزة مما يضيق الخناق على خيارات نتنياهو ويجعله في زاوية حرجة. وشدد على ان التحركات الامريكية الاخيرة تعكس رغبة في دفع العملية السياسية نحو حل شامل يعيد تشكيل معادلات الصراع في المنطقة.

واظهرت التطورات الميدانية والدبلوماسية في القاهرة ان الحراك الامريكي لا يزال يواجه تحديات جمة بفعل التعنت الاسرائيلي. واضاف المراقبون ان الايام القادمة ستكون اختبارا حقيقيا لقدرة واشنطن على فرض رؤيتها. واكد ان المشهد الحالي يشير الى ان واشنطن بدات بالفعل في اتخاذ خطوات عملية لفرض واقع سياسي جديد بعيدا عن املاءات حكومة الحرب الاسرائيلية.