لم تكن رحلة العودة الى قطاع غزة بالنسبة للمواطن احمد السيقلي تشبه احلام اللقاء التي راودته طويلا، اذ وجد نفسه في مواجهة واقع قاسي حين استقبلته زوجته بشهادات وفاة اطفاله الستة عوضا عن ضحكاتهم التي كان ينتظر سماعها. كان الرجل قد غادر منزله باحثا عن رزقه في الضفة الغربية قبل اندلاع الحرب، ليجد نفسه محاصرا بعيدا عن اسرته التي كانت تقطن في حي الشجاعية بمدينة غزة، ومع تصاعد وتيرة الاحداث فقد الاتصال بهم تدريجيا حتى وقعت الفاجعة التي لم تكن في الحسبان.

واوضحت الزوجة ام مهند ان لحظة اللقاء كانت الاصعب في حياتها، حيث كانت تحمل في يديها اوراقا رسمية تثبت رحيل ابنائها الستة، اربعة ذكور وابنتان، الذين قضوا في قصف اسرائيلي طال البناية التي كانوا يقيمون فيها. واضافت ان العائلة كانت قد نزحت من حي الشجاعية الى مدينة غزة بحثا عن الامان، الا ان القصف طال المكان ليخلف اكثر من مئة وعشرين شهيدا، ولم ينج من افراد الاسرة سوى الام وابنتها الكبرى.

وبينت التفاصيل المروعة ان جثامين الاطفال ظلت تحت الانقاض لمدة شهرين كاملين، قبل ان يتمكن الاهالي من انتشالهم ودفنهم في فناء المنزل الذي قصف، ليتم لاحقا نقلهم الى مقبرة المعمداني بعد مرور عامين على تلك الجريمة. واكد الاب المكلوم انه كان يطلب من زوجته في الايام الاخيرة قبل النزوح كتابة اسماء الاطفال على ايديهم، تحسبا لاي مكروه قد يقع، وهي اللحظات التي لا تزال عالقة في ذاكرته كجرح لا يندمل.

رحلة العذاب خلف القضبان

وكشف احمد انه لم يكتف بفقدان عائلته، بل تعرض خلال فترة وجوده في الضفة الغربية للاعتقال على يد قوات الاحتلال، حيث اخضع لتحقيقات قاسية وتعذيب جسدي ونفسي رغم معرفة السلطات بكونه مجرد عامل لا علاقة له باي انشطة. واشار الى ان لحظة الافراج عنه كانت بمثابة صدمة، حيث عاد الى القطاع ليجد ان الامانة التي استودعها الله قد رحلت، وان منزله الذي كان يملؤه صخب الاطفال اصبح خاليا من اي روح.

واستطردت ام مهند واصفة حجم المعاناة داخل خيمة النزوح في مدينة خان يونس، مؤكدة ان الشعور بالفقد لا يزال يطاردها في كل لحظة، وانها لا تزال غير قادرة على استيعاب فكرة رحيل ابنائها بهذا الشكل المأساوي. وشددت على ان المشهد كان يفوق قدرة البشر على التحمل، خاصة وانها كانت تتردد في خطواتها قبل ملاقاة زوجها خوفا من مواجهته بحقيقة الفقد التي ستكسر قلبه.

وختمت الزوجة حديثها بالاشارة الى بصيص امل متمثل في ابنتها الكبرى الناجية الوحيدة، موضحة انها تسعى بكل ما اوتيت من قوة لتعليم ابنتها وتعويضها عما فاتها من دراسة. واوضحت ان ابنتها كانت من المتفوقات دراسيا قبل ان يؤثر عليها فقدان اشقائها بشكل كبير، مبينة ان هدفها الوحيد اليوم هو تأمين مستقبل تعليمي لابنتها لتكون بمثابة نور في حياتهما المظلمة بعد هذه الفاجعة.