تتزايد المؤشرات الميدانية التي تؤكد رغبة الحكومة الاسرائيلية في فرض واقع عسكري دائم داخل قطاع غزة، وذلك في ظل رفض رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو لخطط السلام الدولية المطروحة، حيث تعتمد تل ابيب على توسيع نطاق انتشار قواتها خلف ما يعرف بالخط الاصفر، وهو ما يعكس توجها استراتيجيا لترسيخ الوجود العسكري طويل الامد في القطاع.

واثار هذا التوجه موجة واسعة من الانتقادات على الاصعدة العربية والدولية، اذ حذرت ثماني دول مؤثرة من ان التنصل من خطط انهاء الحرب يهدد بانهيار كافة الجهود الرامية الى ارساء سلام دائم، واكد وزراء خارجية هذه الدول ان رفض المقترحات الامريكية يضع المنطقة امام سيناريو قاتم من استمرار الصراع دون افق سياسي واضح.

وبينما يصر نتنياهو على شروطه، اوضح ان الجيش لن ينسحب من المواقع الاستراتيجية التي يسيطر عليها ما لم يتم نزع سلاح الفصائل الفلسطينية بصورة فعلية وشاملة، مشددا على ان اي اتفاق يجب ان يضمن لاسرائيل حرية العمل الامني في غزة حتى بعد توقف العمليات العسكرية الكبرى.

ابعاد الوجود العسكري الدائم

وتكشف صور الاقمار الصناعية التي تم تحليلها مؤخرا عن وجود نحو اربعين نقطة عسكرية اسرائيلية داخل القطاع، منها ثمانية مواقع تم استحداثها بعد التوصل لاتفاقات وقف اطلاق النار، واكدت البيانات ان القوات الاسرائيلية لم تتراجع عن مواقعها كما نصت التفاهمات، بل عمدت الى تعزيز تحصيناتها وبناء سواتر ترابية تمتد لعشرات الكيلومترات.

واضافت التحليلات الميدانية ان الجيش الاسرائيلي رسم حدودا جديدة داخل القطاع، منها ما يعرف بالخط البرتقالي الذي يفرض قيودا صارمة على حركة المنظمات الانسانية، مما يجعل اكثر من ستين بالمئة من مساحة غزة تحت سيطرة مباشرة ومقيدة بحركة التنسيق المسبق مع القيادة العسكرية.

واكد الخبراء ان تشييد هذه القواعد الدائمة والسواتر الترابية ليس مجرد اجراءات تكتيكية، بل هي خطوات مدروسة لتقسيم القطاع جغرافيا والتحكم في مفاصل الحياة فيه، مما ينسف عمليا فرص العودة الى الوضع الذي كان قائما قبل الحرب ويضع السكان امام واقع جديد من العزلة والتقطيع.

واقع سكاني تحت وطاة الدمار

ويعاني اكثر من مليوني فلسطيني من ظروف معيشية قاسية، حيث تتركز الكثافة السكانية في مساحات ضيقة للغاية غرب الخطوط العسكرية، واظهرت المقارنات البصرية تحولا عمرانيا جذريا في مدينة غزة، حيث تحولت الاحياء السكنية المكتظة الى مساحات شاسعة من الركام والخيام التي تفتقر لادنى مقومات الحياة.

واشار تقرير صادر عن منظمات دولية الى ان الغالبية العظمى من النازحين يعيشون في تجمعات عشوائية تفتقر للادارة، مع تفاقم الازمات الصحية والبيئية خاصة بعد موسم الامطار الاخير، مبينا ان استمرار السيطرة الاسرائيلية على اكثر من ستين بالمئة من مساحة القطاع يمنع السكان من الوصول الى اراضيهم او اعادة اعمار بيوتهم.

واوضح مراقبون ان رفض نتنياهو لخريطة الطريق الدولية يغلق الباب امام اي احتمالات للانسحاب القريب، ما يعني بقاء سكان غزة عالقين في دوامة من التهديدات الامنية والقيود الميدانية، فضلا عن خطر اندلاع مواجهات اوسع في حال فشلت جهود الوساطة في كسر الجمود السياسي الحالي.

تداعيات الرفض الاسرائيلي

ويشير المحللون الى ان الرفض الاسرائيلي ليس مجرد موقف سياسي، بل هو ترجمة لخطط استراتيجية تهدف الى اعادة صياغة مستقبل غزة بما يخدم الامن الاسرائيلي، معتبرين ان بقاء القوات في القطاع هو جزء من رؤية اوسع ترفض اي مسار يؤدي الى قيام دولة فلسطينية.

واكدت المصادر ان استمرار هذا الوضع يهدد باطالة امد الازمة الانسانية الى سنوات، خاصة مع تعطل البنية التحتية والخدمات الاساسية، مما يجعل المدنيين يدفعون الثمن الاكبر لسياسة فرض الامر الواقع، في انتظار ما قد تسفر عنه الضغوط الدولية القادمة.

وبينت المعطيات ان اسرائيل ماضية في تنفيذ مخططاتها على الارض بالتزامن مع استمرار التفاوض، وهو ما يضع المجتمع الدولي امام اختبار حقيقي لقدرته على فرض التزامات تضمن حقوق السكان وتنهي حالة الوجود العسكري الدائم التي تتشكل ملامحها يوما بعد يوم.