تصاعدت وتيرة الغارات الاسرائيلية على قطاع غزة بشكل لافت ومفاجئ عقب مغادرة المبعوث الامريكي جاريد كوشنر المنطقة، حيث اسفرت هذه العمليات العسكرية عن سقوط 17 شهيدا في اقل من 24 ساعة. واظهرت هذه التطورات الميدانية تحديا واضحا للجهود الدبلوماسية التي بذلتها واشنطن مؤخرا للدفع بتنفيذ خريطة طريق تنهي المرحلة الراهنة من الصراع، مما وضع ادارة الرئيس دونالد ترمب امام اختبار حقيقي لقدرتها على التأثير في مسار الاحداث.

واكد مراقبون ان هذا التصعيد يندرج ضمن حسابات بنيامين نتنياهو السياسية، حيث يسعى رئيس الوزراء الاسرائيلي لاستثمار الملف الامني كأداة انتخابية لتعزيز شعبيته المتراجعة في استطلاعات الرأي. واشار متابعون الى ان نتنياهو يحاول تقديم نفسه كزعيم قوي لا يخضع للضغوط الدولية، خاصة وان حزبه يواجه منافسة شرسة تتطلب منه اتخاذ مواقف متشددة لكسب اصوات اليمين الاسرائيلي.

وبينت التقارير الميدانية ان من بين ضحايا القصف الاخير قيادات في الشرطة الفلسطينية واطفال، وهو ما اعتبرته وزارة الداخلية في غزة محاولة اسرائيلية ممنهجة لنشر الفوضى وتفكيك مؤسسات القطاع. واضافت المصادر ان استهداف المقار الامنية وتجمعات المدنيين يعكس رغبة اسرائيل في تقويض اي اتفاق وقف اطلاق نار قد يتم التوصل اليه بوساطة اقليمية او دولية.

تحدي الوساطات الدولية

وكشفت حركة حماس ان الاحتلال الاسرائيلي يتعمد تقويض جهود الوسطاء عبر هذه الاستهدافات المتكررة التي تطال مختلف مناطق القطاع. واضاف خليل الحية، رئيس المكتب السياسي للحركة، ان استمرار القتل المتعمد يؤكد ان تل ابيب لا تكترث بالتعهدات والضمانات التي تم تقديمها، محملا الضامنين الدوليين مسؤولية حماية الاتفاق من الانهيار الكامل.

واوضح مصدر طبي في غزة ان الغارات شملت مناطق متفرقة، حيث استهدف الاحتلال دراجات نارية ومواقع مدنية، مما ادى الى ارتفاع حصيلة الضحايا واثارة موجة من الادانات الفلسطينية الواسعة. وشدد محللون سياسيون على ان هذه العمليات تمثل ردا غير مباشر على زيارة كوشنر، وتؤكد رفض نتنياهو المسبق لاي تنازلات تتعلق بانسحاب القوات من القطاع.

واكدت صحيفة معاريف الاسرائيلية في تقرير لها ان هذه العمليات العسكرية جاءت بموافقة مباشرة من نتنياهو، الذي يتمسك بشرط نزع سلاح المقاومة كأولوية قصوى قبل الحديث عن اي خطوات سياسية او ميدانية اخرى. واضافت الصحيفة ان القيادة السياسية الاسرائيلية تتجاهل الضغوط الامريكية وتفضل المضي قدما في استراتيجية الاغتيالات.

حسابات السلطة والانتخابات

وبينت القناة 12 الاسرائيلية ان هناك تفاهمات ضمنية بين كوشنر ونتنياهو تمنح الجيش حرية العمل العسكري، بما في ذلك سياسة الاغتيالات المستمرة ضد قادة المقاومة. واضافت ان هذه التفاهمات تضمنت عدم المضي في مشاريع الاعمار الا بعد تدمير القدرات العسكرية لحماس بشكل كامل، وهو مطلب ترفضه الفصائل الفلسطينية وتعتبره شروطا تعجيزية.

واوضح المحلل السياسي وسام عفيفة ان نتنياهو يدرك جيدا ان الخلاف العلني مع واشنطن قد يخدم حملته الانتخابية من خلال تصويره كزعيم مستقل يدافع عن امن اسرائيل دون املاءات خارجية. واضاف ان هذا النهج التصعيدي يستهدف استقطاب القاعدة اليمينية التي تزايد على الدم الفلسطيني لضمان الحفاظ على مقاعدها في الكنيست المقبل.

وختم المحللون بالقول ان مستقبل الهدوء في غزة بات رهنا بالحسابات الانتخابية الضيقة لنتنياهو، الذي يبدو مستعدا لدفع المنطقة نحو مزيد من التصعيد لضمان بقائه في السلطة. واكدوا ان كل هذه التحركات تجعل من الصعب تحقيق اي اختراق حقيقي في ملفات التهدئة او اعادة الاعمار في ظل غياب الرغبة الاسرائيلية في السلام.