كسر جيش الاحتلال الإسرائيلي صمته أخيرا بخصوص مقتل الطفلة الفلسطينية هند رجب وستة من أفراد عائلتها في قطاع غزة، معلنا البدء في إجراءات تحقيق جنائي حول الحادثة التي هزت الضمير العالمي. ويأتي هذا التحرك بعد ضغوط حقوقية مكثفة ومطالبات مستمرة من عائلة الطفلة بضرورة تدويل القضية والبحث عن عدالة حقيقية خارج أروقة القضاء الإسرائيلي الذي تلاحقه اتهامات بالانحياز والتستر على جرائم جنوده.

واستعرضت التقارير الميدانية تفاصيل الواقعة التي حدثت في يناير من العام الماضي، حينما تعرضت مركبة كانت تقل هند وعائلتها لإطلاق نار كثيف من قبل قوات الاحتلال أثناء محاولتهم النزوح من منطقة تل الهوا في غزة. وبينت التسجيلات الصوتية التي وثقت نداءات الاستغاثة الأخيرة للطفلة مع طواقم الهلال الأحمر حجم المأساة التي انتهت بانتشال جثامين الشهداء بعد انسحاب القوات من المكان.

واكد بيان صادر عن جيش الاحتلال اعترافه بإطلاق النار على سيارة الطفلة، زاعما أن التحقيقات الداخلية التي استمرت لأشهر خلصت إلى وجود إخفاقات في تنسيق حركة سيارات الإسعاف التي حاولت الوصول لإنقاذها. واشار الجيش إلى أنه بصدد فتح تحقيقات جنائية أخرى في وقائع مماثلة استهدفت طواقم الإغاثة، وهو ما قوبل بتشكيك واسع من قبل المراقبين الدوليين.

مطالبات عائلية بتحقيق دولي مستقل

وبينت هند حمادة رجب، جدة الطفلة، في تصريحاتها أنها لا تعول على هذه التحقيقات الإسرائيلية، واصفة إياها بمحاولة لامتصاص الغضب وتضليل الرأي العام. وشددت الجدة على أن عائلة هند لن تتنازل عن حقها في المطالبة بلجنة تحقيق دولية مستقلة، مؤكدة أن مقتل حفيدتها يندرج ضمن سلسلة من الجرائم الممنهجة التي تستهدف المدنيين العزل في غزة.

واوضحت مؤسسة هند رجب التي تتخذ من بروكسل مقرا لها، أن إعلان الجيش الإسرائيلي فتح تحقيقات جنائية لا يعدو كونه خطوة شكلية لا تهدف إلى تحقيق العدالة. وأضافت المؤسسة أن السجل التاريخي للتحقيقات الداخلية الإسرائيلية أثبت فشله الذريع في محاسبة مرتكبي الانتهاكات، حيث تنتهي معظم هذه الملفات إما بالإغلاق أو بعقوبات إدارية مخففة للغاية لا تتناسب مع فداحة الجرائم المرتكبة.

وكشفت المؤسسة أن إسرائيل تحاول من خلال هذه الإجراءات الهروب من الملاحقة القضائية الدولية، متسائلة عن الأسباب التي جعلت هذه القضية تحديدا محلا للتحقيق الجنائي بينما تجاهل الاحتلال آلاف الحالات الأخرى الموثقة. وأكدت أن الإفلات من العقاب هو السياسة المتبعة، مستشهدة بملفات سابقة مثل مقتل الصحفية شيرين أبو عاقلة التي لم تفضِ التحقيقات فيها إلى نتائج حقيقية.

تشكيك حقوقي في جدوى التحقيقات

واظهرت تقديرات منظمات حقوقية إسرائيلية، وعلى رأسها منظمة يش دين، أن نسبة ضئيلة جدا من التحقيقات في قتل الفلسطينيين تنتهي بتوجيه لوائح اتهام فعلية ضد الجنود. وبين الباحث دان أوين أن الضغط السياسي المتزايد داخل إسرائيل يجعل من الصعب على سلطات إنفاذ القانون اتخاذ قرارات شجاعة بمحاسبة المتورطين، حتى في حال وجود أدلة دامغة تثبت ارتكاب مخالفات جنائية.

واضافت المصادر الحقوقية أن الإجراءات الإسرائيلية تفتقر إلى النزاهة والشفافية، خاصة مع غياب نشر تقارير دورية توضح مصير التحقيقات التي يدعي الجيش فتحها. وشددت على أن استمرار هذه السياسة يرسخ ثقافة الإفلات من العقاب ويشجع على تكرار مثل هذه الانتهاكات بحق المدنيين الفلسطينيين في كافة أنحاء القطاع.

واكدت المؤسسات الحقوقية في ختام تعليقاتها أن العدالة الحقيقية لا يمكن أن تتحقق عبر آليات داخلية يسيطر عليها الجاني، داعية المجتمع الدولي إلى تحمل مسؤولياته القانونية والأخلاقية والتدخل الفوري لضمان محاسبة المسؤولين عن قتل الطفلة هند رجب وجميع الضحايا الذين سقطوا خلال الحرب المستمرة.