يعيش المواطنون في الضفة الغربية حالة من القلق المستمر جراء تصاعد سياسة تحويل المنازل الخاصة إلى ثكنات عسكرية ومراكز تحقيق ميدانية. وتكشف شهادات حية عن تعرض عائلات فلسطينية لاقتحامات متكررة تنتهي بحجز أفرادها في غرف ضيقة تحت تهديد السلاح. وتظهر المعطيات الميدانية أن هذه الممارسات لم تعد تقتصر على المداهمات السريعة، بل تحولت إلى نمط ممنهج يهدف إلى التضييق على السكان وتهجيرهم من مساكنهم.
واكد محمود نزال من بلدة قباطية أن قوات الاحتلال اقتحمت منزله للمرة الخامسة، حيث قام الجنود بتفجير المداخل واحتجاز أفراد عائلته في الطابق السفلي لساعات طويلة. وأضاف أن المنزل تحول إلى ساحة للتحقيق مع المعتقلين من البلدة، موضحا أن الجنود تركوا خلفهم مخلفات تدل على حجم الانتهاكات التي جرت داخل غرف نوم أطفاله.
وشدد نزال على أن هذه الإجراءات تترك ندوبا نفسية عميقة لدى الأطفال، مبينا أن تقييد حركة الآباء أمام أبنائهم ومنعهم من التواصل معهم يعد انتهاكا صارخا لكل المعايير الإنسانية. وأوضح أن الاحتلال احتجز عشرات المواطنين داخل منزله، متسائلا عن المنطق العسكري الذي يبرر اقتحام الخصوصية وتحويل المنازل إلى نقاط عسكرية.
واقع مرير تحت وطأة الاقتحامات المتكررة
ويروي مؤيد عباس من قرية فقوعة معاناته مع اقتحام منزله الذي تكرر أكثر من 18 مرة منذ بدء التصعيد العسكري الحالي. وبين عباس أن جنود الاحتلال يجبرونه على إخلاء مسكنه بحجة قربه من جدار الفصل، موضحا أن الشعور بالاستقرار بات معدوما في ظل التهديدات المستمرة بالطرد والتهجير.
واشار عباس إلى أن الضغوط النفسية دفعت أطفاله للمطالبة بالرحيل عن المنزل تماما، بحثا عن الأمان بعيدا عن جحيم المداهمات الليلية. وأضاف أنه يرفض الاستسلام لهذا المخطط رغم حجم الدمار والسرقات التي تطال مقتنياته، مؤكدا أن تمسكه بالبناء الذي شق طريقه لتشييده هو دفاع عن الوجود والهوية.
وكشفت عائلة اياد القنيري في بلدة يعبد عن تجربة مشابهة، حيث تم إجبارهم على إخلاء منزلهم خلال دقائق معدودة لتحويله إلى نقطة عسكرية لمدة 48 ساعة. وأوضح القنيري أن هذا السلوك يعكس سياسة واضحة تهدف إلى إفراغ الأرض من سكانها، مبينا أن تشتت العائلات يمثل نكبة جديدة تضاف إلى سجل الانتهاكات اليومية في الضفة.
مواقف قانونية وحقوقية تجاه الانتهاكات
ويرى مختصون أن هناك تغيرا جذريا في استراتيجية التعامل مع الضفة، حيث انتقل الاحتلال من مبدأ الاعتقالات الخاطفة إلى التمركز طويل الأمد داخل بيوت المدنيين. وأظهرت تقارير أممية أن عشرات المنازل تعرضت للاستيلاء عليها لأغراض عسكرية، وهو ما تصفه منظمات حقوقية بأنه جزء من سياسة ترهيب استراتيجي ممنهجة.
واكد شعوان جبارين مدير مؤسسة الحق أن ادعاءات الاحتلال بوجود ضرورة أمنية لا تستند إلى أي أساس قانوني، مبينا أن الاحتلال يستخدم هذه المنازل كدروع بشرية خلال عملياته. وأضاف أن المحاكم الدولية أقرت عدم شرعية الوجود العسكري، وهو ما يجعل ممارسات الجيش في الضفة مخالفة صريحة لاتفاقيات جنيف التي تحمي الممتلكات الخاصة.
واوضح جبارين أن قوانين الاحتلال المحلية تلتف على القانون الدولي لمنع تعويض الفلسطينيين عن الأضرار التي تلحق بمنازلهم، مبينا أن الهدف هو جعل كلفة البقاء في الأرض باهظة جدا. وشدد على أن هذه السياسات تهدف إلى كسر إرادة الصمود لدى المواطنين الذين يواجهون آلة عسكرية لا تحترم حرمة البيت ولا أمن العائلة.
