يودع احمد زوجته واطفاله الثلاثة كل صباح قبل الخروج من منزله وهو يدرك جيدا ان عودته في نهاية اليوم ليست امرا مضمونا في ظل واقع غزة الميداني. يعمل احمد ضابطا برتبة ملازم اول في الشرطة الفلسطينية ويصف وظيفته بانها الاخطر في العالم حاليا نتيجة الاستهداف المباشر. واوضح احمد انه يضطر احيانا للمشي مسافات طويلة للوصول الى مقر عمله بسبب شح الوقود وارتفاع تكاليف المواصلات مبينا ان الخوف يرافقه في كل خطوة لكن الدعم المتبادل بين زملائه يمنحه قدرا من الصمود.
واضاف احمد ان عبارة سامحني باتت متداولة بين افراد الشرطة كوداع اخير نظرا لاحتمالية عدم اللقاء مجددا مشيرا الى ان الكثيرين منهم كتبوا وصاياهم التي تركزت على الديون التي قد يعجزون عن سدادها في حال استشهدوا. واكد ان وجود الشرطة يظل صمام امان للمجتمع حيث تعمل على محاربة الجريمة وفرض هيبة القانون ومنع تحول النزاعات العائلية الى جرائم قتل في ظل غياب بدائل امنية اخرى.
وبين ان غياب الشرطة يعني تفاقم الفوضى وترك فراغ امني خطير ولذلك يعتبر مواصلة عمله مسؤولية وطنية واخلاقية رغم المخاطر الجسيمة التي يواجهها. وكشف ان الرواتب غير منتظمة حيث قد تمر ثلاثة اشهر دون الحصول على مكافأة مالية بسيطة لا تتجاوز بضع مئات من الدولارات.
واقع العمل تحت الاستهداف
واشار الى انه يضطر لاغلاق هاتفه خلال بعض المهام لاسباب امنية رغم رغبته في طمأنة اطفاله. واوضح ان عودته الى المنزل تشبه الاحتفال بعد ساعات من القلق والترقب التي تعيشها عائلته عند سماع دوي الانفجارات. وشدد على رفضه ترك العمل رغم ضغوط والدته وزوجته واطفاله لان الحاجة لوجود الشرطة تزداد اكثر خلال فترات الحرب.
وكشفت الاحداث الميدانية ان جهاز الشرطة تعرض لسلسلة استهدافات طالت المقار والمركبات والافراد منذ بداية الحرب. واظهرت التقارير الميدانية ان غارة استهدفت مقر شرطة البلديات مؤخرا ادت الى استشهاد عدد من الضباط والعناصر اثناء تأدية واجبهم المهني. واكد المتابعون ان هذه الاستهدافات تأتي في سياق محاولات اضعاف قدرة الجهاز على ضبط الامن الداخلي.
وذكرت المصادر ان من بين الشهداء العقيد فاتنة السحار مديرة الشرطة النسائية التي كانت تؤدي ادوارا اجتماعية هامة تتعلق بحماية النساء ومتابعة قضايا العنف الاسري. واوضح زوجها ان ابناءها السبعة فقدوا المعيل الوحيد لهم بعد ان كانت تتابع قضايا المواطنين حتى في ساعات وجودها خارج مقر العمل.
تضحيات مستمرة ومسؤولية مجتمعية
واضاف زوج العقيدة فاتنة انها كانت ترفض التوقف عن عملها رغم المخاطر واصفا مهنتها بانها كانت انسانية بالدرجة الاولى. واكد ان ظروف العمل الشاقة لم تمنعها من السير لاكثر من 45 دقيقة للوصول الى عملها في ظل انعدام وسائل النقل المتاحة. وبين ان دافعها كان خدمة الناس ومتابعة قضايا الجرحى والمحتاجين حتى في وقت فراغها.
واكد الناطق باسم الشرطة محمد الزرقا ان اكثر من 2700 من افراد الجهاز استشهدوا خلال الحرب بينهم نحو 80 ضابطا منذ بدء هدنة وقف اطلاق النار. واوضح ان يوم الشرطي يبدأ بمخاطرة كبيرة حيث يغادر منزله وسط توقعات بعدم العودة نظرا لاستهداف المقار الشرطية بشكل متكرر. واشار الى ان العمل يتم في ظروف استثنائية مع تدمير معظم البنية التحتية للجهاز.
واضاف الزرقا ان المهام لا تتوقف عند التعامل مع مواقع القصف بل تشمل فض المشاجرات ومتابعة الجرائم اليومية وحماية السلم الاهلي. وبين ان افراد الشرطة يعملون بدافع المسؤولية دون اجبار من القيادة مؤكدا ان استمرارهم هو رسالة صمود رغم انقطاع الرواتب ونقص الامكانيات.
الفراغ الامني وتحديات الميدان
واوضح ضابط كبير في الشرطة ان استهداف الاجهزة الامنية يهدف بشكل اساسي الى خلق حالة من الفوضى ونشر الفراغ الامني داخل القطاع. واشار الى ان الشرطة تحاول اتخاذ اجراءات احترازية مثل تقليص المناوبين وتغيير اماكن الانتشار لتقليل الخسائر. وشدد على ان المسؤولية المهنية تدفع العناصر للبقاء في الميدان رغم انهم يعيشون ذات الظروف المعيشية القاسية التي يعاني منها بقية السكان.
وكشف الضابط ان اكثر من 90 بالمئة من مركبات الشرطة تضررت جراء الحرب مما يضطر العناصر للمشي مسافات طويلة لتنفيذ مهامهم. واكد ان هذا التراجع في القدرات ينعكس سلبا على الوضع الامني العام مما يسهل عمليات سرقة المساعدات والاعتداء على الممتلكات. وطالب بضرورة تحييد المهام الشرطية المدنية عن دائرة الاستهداف لضمان استمرار الحياة اليومية للمدنيين.
وبين المحلل السياسي اياد القرا ان اسرائيل فشلت في اسقاط جهاز الشرطة رغم استهداف قادتها وعناصرها. واضاف ان استمرار العمل رغم الموت يمثل واجبا اخلاقيا يربط الشرطي بمجتمعه. واكد ان ثقة الناس بالشرطة لا تزال قائمة حيث لا يزال المواطنون يلجؤون اليهم لحل الخلافات المالية والاسرية وتنظيم الاسواق مما يثبت ان دور الجهاز حيوي ولا غنى عنه.
