تتجرع عائلات فلسطينية في بلدة قصرة جنوب نابلس مرارة الحصار الذي يفرضه المستوطنون وجيش الاحتلال منذ ايام طويلة، حيث تعيش الطفلة كندا ذات الاربعة اعوام حالة من الهلع المستمر، وتتشبث بوالدتها مع كل صوت غريب يقترب من منزلهم المحاصر في منطقة راس العين. واوضح جدها عبد الكريم حسان ان الطفلة تعاني من صدمة نفسية تجعلها تخشى استخدام ابسط مرافق المنزل، بينما اصيبت شقيقتها حور البالغة من العمر عامين ونصف بحالة صحية متدهورة نتيجة الرعب والظروف المعيشية القاسية في ظل غياب الرعاية الطبية. واكد حسان ان محاولات العائلة لطلب الاسعاف باءت بالفشل، حيث تسببت سواتر المستوطنين في اغلاق الطرق ومنع وصول المساعدة، وسط صمت مريب من قوات الاحتلال التي تتواجد في محيط المنطقة.

واقع نفسي ومعيشي مرير

وبين حسان ان الوضع النفسي للنساء والاطفال داخل المنازل الثلاثة المحاصرة يزداد سوءا مع مرور الوقت، اذ تظل العائلات عالقة وتراقب تحركات المستوطنين من خلف النوافذ وكاميرات المراقبة. واضاف ان هذا الحصار الذي دخل يومه الثالث عشر جاء بعد ان اقدم مستوطنون على نصب خيمة امام المنازل واغلاق كافة المداخل، مما حول حياة السكان الى سجن مفتوح يفتقر لادنى مقومات الامان. وكشفت الاحداث الاخيرة ان وتيرة الاعتداءات في قصرة تصاعدت بشكل غير مسبوق منذ اكتوبر الماضي، مما وضع الاهالي امام تحديات وجودية يومية تهدف الى دفعهم لترك منازلهم.

مراقبة مستمرة تحت التهديد

وكشفت المسنة عائشة ابو ريدة البالغة من العمر ثمانين عاما عن تفاصيل مؤلمة، حيث تقضي وقتها بجانب نجلها وفيق وهي تتابع عبر شاشات المراقبة تحركات المستوطنين حول منزل ابنها قصي المحاصر. واضافت انها تعيش حالة من القلق الدائم لعجزها عن الوصول الى احفادها او الاطمئنان عليهم منذ بدء الطوق العسكري الذي فرضه المستوطنون على المنطقة. وشدد افراد العائلة على انهم يطبقون نظام مناوبة للحراسة لضمان عدم خلو منازلهم ولو للحظة واحدة، خوفا من استيلاء المستوطنين عليها في غفلة منهم، وهو قرار جماعي اتخذوه بعد شهور من التضييق المستمر.

تدمير الاراضي الزراعية

واوضح المزارع زياد عودة ان المعاناة في قصرة تتجاوز حدود المنازل لتصل الى الارض التي تعد مصدر رزق العائلات، حيث صادر المستوطنون اكثر من ستة وعشرين دونما من اراضي الزيتون الخاصة بهم. وبين عودة ان انتاجه السنوي من الزيت تراجع بشكل حاد، بعد ان بسط المستوطنون سيطرتهم على اراضيه الواقعة في المناطق المصنفة جيم، والتي تخضع للسيطرة الامنية للاحتلال. واكد ان التنقل من والى البلدة اصبح مغامرة محفوفة بالمخاطر، حيث اصبحت الحواجز العسكرية تشكل عائقا اكبر من السفر الى دول الجوار، مما يعكس سياسة التضييق الممنهجة ضد المزارعين الفلسطينيين.

انعدام الامن في القرى

واكد عودة ان سكنه في الجهة الشمالية من البلدة جعله هدفا دائما، حيث اقتحم جيش الاحتلال منزله في وقت سابق واحتجز عائلته في غرفة واحدة، وقاموا بتفتيش المكان وسرقة مقتنيات ثمينة تحت تهديد السلاح. واضاف ان بعض الجنود يمارسون ادوار المستوطنين انفسهم في الترهيب، مما دفعه لتركيب انظمة مراقبة متطورة لحماية عائلته من أي هجوم مفاجئ. وشدد على ان هذه الاعتداءات ليست حالات فردية بل هي نهج يومي يهدف الى كسر ارادة الصمود لدى سكان الريف الفلسطيني الذين يواجهون التوسع الاستيطاني بصدور عارية.

فاتورة الدم والصمود

وبين رئيس المجلس المحلي عبد الكريم الوادي ان جبل راس العين الذي يحاصره الاحتلال يمثل قيمة تاريخية ووطنية لاهالي قصرة، كونه يرتفع قرابة الف متر عن سطح البحر ويطل على مساحات واسعة. واضاف الوادي ان المحاولات المستمرة للاستيلاء على الجبل تهدف الى ربط البؤر الاستيطانية الممتدة من الجنوب ببعضها، مشيرا الى ان البلدة قدمت احد عشر شهيدا منذ العام الماضي، في دلالة واضحة على حجم التضحيات. واكد ان الصمود الفلسطيني في هذه المناطق يتطلب دعما وطنيا عاجلا لمواجهة الاستيطان الرعوي الذي يلتهم الاراضي ويحرق دور العبادة، حيث لا يكاد يخلو بيت في قصرة من شهيد او جريح او اسير.