تشهد مشاريع البناء العملاقة في السعودية تحولا جذريا في اساليب التخطيط والمشتريات لمواجهة الضغوط المتزايدة على سلاسل الامداد وضمان سير العمل في ظل التنافس المحموم على الموارد. وتعتمد الشركات حاليا نماذج عمل اكثر مرونة ترتكز على تعزيز التوطين وبناء شراكات استراتيجية طويلة الامد مع الموردين والمقاولين مع ادخال تقنيات الذكاء الاصطناعي للتنبؤ بالمخاطر المحتملة قبل وقوعها. وكشف خبراء خلال فعاليات معرض بيج فايف في الرياض عن ضرورة اشراك السوق في مراحل مبكرة من التصميم لمنح الشركات رؤية واضحة حول متطلبات التنفيذ والاستعداد لها.

واوضح كريستوفر سيمور المدير العام لشركة ميس كونسلت ان مفهوم المرونة في قطاع الانشاءات شهد تغيرا جوهريا خلال السنوات الاخيرة نتيجة النمو المتسارع للمشاريع في المملكة. واضاف ان السوق السعودية تحتاج الى وقت كاف لبناء طاقتها الاستيعابية بما يتناسب مع حجم وتنوع المشاريع التي تدخل مراحل التنفيذ الفعلي حاليا. وشدد على ان التغيير في التصاميم بات ضرورة ملحة للسماح باستخدام بدائل محلية عند تعثر التوريد او طول فترات الانتظار.

وبين ان الاشهر الماضية شهدت تعديلات جوهرية في مواصفات المشاريع القائمة لتشمل تغييرات في الرسومات واختيارات المنتجات لضمان استمرار العمل دون توقف. واكد ان تطوير ادوات الرقابة وانتشار مكاتب ادارة المشاريع ساهما في كشف الفجوات والمشكلات بشكل اسرع مما كان عليه في السابق. واشار الى ان المشروع الناجح يتطلب حوكمة قوية وبيئة عمل تتسم بالشفافية وتسمح بطرح التحديات الصعبة للنقاش المفتوح.

تحول المشتريات نحو خلق القيمة المضافة

وقال خالد الدغيثر مدير ادارة المشتريات والعقود في مجموعة روشن ان استراتيجية المشتريات في السوق المحلية انتقلت من التركيز على خفض التكلفة فقط الى خلق قيمة حقيقية للمشاريع على المدى الطويل. واضاف ان الشركة تعمل على منح المقاولين والموردين قدرة اكبر على التنبؤ بحجم الاعمال المستقبلية لضمان استقرار سلاسل الامداد. واوضح ان بناء علاقات متينة يتيح تبادل المعرفة وتقاسم المخاطر بدلا من الاعتماد على معاملات منفردة.

واكد ان التوطين اصبح اداة حيوية لادارة مخاطر الامداد وليس مجرد مؤشر للامتثال. واضاف ان روشن تمكنت من رفع نسبة التوطين لديها الى مستويات قياسية عبر التركيز على قدرات الموردين المحليين والتكامل الرقمي. وبين ان السعر المنخفض لم يعد المعيار الوحيد للاختيار بل يتم تقييم المقاول بناء على متانته المالية وطاقته التوريدية وقدرته على التواصل الفوري في حال حدوث اضطرابات.

واشار الى ان تقاسم المخاطر يجب ان يتم مع الطرف الاكثر قدرة على ادارتها بمهنية. واضاف ان تحميل المقاولين مخاطر غير مدروسة دون منحهم القدرة على تسعيرها بشكل عادل قد يؤدي الى نتائج عكسية تهدد استمرارية المشاريع. وشدد على اهمية الموازنة بين الحوكمة وسرعة اتخاذ القرار لتجنب تحول الادارات العليا الى عنق زجاجة يعطل سير العمل.

التكنولوجيا والبيانات في خدمة قطاع الانشاءات

وقال يوسف بن زايد المدير العام لشركة الفطيم لادارة المرافق ان الموردين يجب ان ينظر اليهم كشركاء استراتيجيين وليس مجرد اطراف تعاقدية. واضاف ان الاستفادة من خبراتهم في مراحل التشغيل والصيانة يسهم في اطالة دورة حياة المباني وتقليل تكاليفها على المدى البعيد. واوضح ان التوسع في استخدام الذكاء الاصطناعي والروبوتات يغير قواعد اللعبة في قطاع الانشاءات والتعاقدات.

وكشف ان الشركة تطور حاليا وكلاء ذكاء اصطناعي للتفاوض مع الموردين بشكل آلي لرفع كفاءة عمليات المشتريات. واضاف ان هناك فرصة هائلة ضائعة تتمثل في عدم اعادة استخدام اكثر من 85 في المئة من البيانات التي يتم انتاجها خلال تنفيذ المشاريع. وبين ان توحيد تصنيف البيانات منذ اليوم الاول للمشروع يعد ضرورة قصوى لتحسين التنبؤ بالأحداث وادارة المخاطر.

واكد ان التطور التقني لا يعفي المؤسسات من وضع ضوابط صارمة لاستخدام الذكاء الاصطناعي. واضاف ان العنصر البشري يظل هو المحرك الاساسي للابتكار والرقابة على النتائج. واختتم بالتأكيد على ان التغيير في طريقة اعداد المشاريع وادارة البيانات هو الطريق الامثل لضمان مرونة واستدامة قطاع البناء في السعودية.