تشهد اسواق الحبوب العالمية حالة من التوتر الشديد بعد تصاعد الهجمات المتبادلة في منطقة البحر الاسود وهو ما دفع اسعار القمح للوصول الى مستويات قياسية لم تسجل منذ سنوات طويلة. واظهرت بيانات التداول الاخيرة ان العقود الاجلة ارتفعت بشكل حاد وسط مخاوف حقيقية لدى المتعاملين من تعطل الموانئ الرئيسية وقدرة الدول المصدرة على الوفاء بالتزاماتها تجاه السوق الدولية. واكد محللون ان هذه القفزات السعرية تعكس حالة الذعر التي تسيطر على المستثمرين في ظل تراجع الامدادات من روسيا واوكرانيا اللتين تعدان الركيزة الاساسية لصادرات القمح عالميا.
واضافت المؤشرات الاقتصادية ان اسعار القمح سجلت ارتفاعات اسبوعية تجاوزت 12 بالمئة في قفزة هي الاكبر منذ سنوات في حين بلغت المكاسب منذ بداية العام مستويات قياسية. وشدد خبراء على ان المخاطر التي تهدد حركة الملاحة في الموانئ الرئيسية تضع الامن الغذائي العالمي امام تحديات غير مسبوقة خاصة مع اعتماد العالم بشكل كلي على هذا الممر الحيوي. وبينت التقارير ان استمرار حالة عدم اليقين سيفاقم من الازمة في ظل تضرر البنية التحتية اللوجستية اللازمة لعمليات الشحن.
واشار مراقبون الى ان تداعيات الصراع لا تقتصر على القمح فحسب بل تمتد لتشمل الذرة والشعير وزيوت الطعام التي تدخل في صلب الصناعات الغذائية العالمية. واكد خبراء ان هذه المنطقة تسيطر على نحو ثلث صادرات الحبوب عالميا مما يجعل اي اضطراب فيها بمثابة زلزال يضرب استقرار الاسعار في الدول المستوردة. واوضح المتخصصون ان الاعتماد العربي على هذه الواردات يجعل المنطقة الاكثر عرضة لتبعات هذا التذبذب في الامدادات.
تراجع حاد في الشحنات وازمات لوجستية
وكشفت التقديرات الميدانية عن تراجع ملحوظ في صادرات الحبوب من الموانئ المطلة على البحر الاسود خلال الفترة الاخيرة. واضافت المصادر ان الهجمات المتكررة على البنية التحتية للموانئ ادت الى انخفاض كبير في حجم الشحنات مقارنة بالمواسم السابقة. وبينت ان هذا النقص دفع الدول المستوردة للبحث عن بدائل من مناطق بعيدة مثل استراليا والامريكتين مما يرفع تكلفة الفاتورة النهائية للغذاء.
ووضحت التقارير ان الدول الحبيسة التي تعتمد على الموانئ الروسية لتصدير منتجاتها باتت تواجه عوائق لوجستية معقدة. واكد خبراء ان التحدي لا يكمن فقط في توفر السلعة بل في تكلفة وصولها الى وجهتها النهائية في ظل ارتفاع اسعار الشحن والتأمين. واشاروا الى ان استهداف البنية التحتية الزراعية يمثل تهديدا مباشرا لاستدامة سلاسل التوريد العالمية.
واضافت البيانات ان الانتاج الروسي والاكراني شهد تقلبات حادة متأثرة بظروف الحرب والقيود المفروضة على التصدير. واوضحت ان التراجع في الصادرات يعود الى اضرار لحقت بالموانئ وسلاسل النقل البري والبحري. وشدد الخبراء على ان العودة الى مستويات التصدير الطبيعية تتطلب استقرارا امنيا يبدو بعيد المنال في الوقت الراهن.
فاتورة الغذاء العربي في مهب الريح
وكشف خبراء ان الدول العربية تستورد نحو 65 بالمئة من احتياجاتها من الحبوب عبر هذا الممر المائي الحيوي. واضافوا ان تكلفة هذه الواردات تصل الى مليارات الدولارات سنويا مما يجعل اي ارتفاع في الاسعار عبئا اضافيا على ميزانيات الدول. وبينوا ان البدائل المتاحة من مناطق اخرى تتطلب مسافات ابحار اطول مما يعني تكاليف شحن مرتفعة تزيد من حدة التضخم في اسعار الغذاء.
واوضح المختصون ان القمح الفرنسي او الاسترالي او الامريكي لا يمثل بديلا اقتصاديا سهلا نظرا لبعد المسافات واختلاف المواصفات الفنية للحبوب. واكدوا ان القرب الجغرافي للبحر الاسود كان يمنح الدول العربية ميزة تنافسية من حيث سرعة الوصول وانخفاض تكلفة النقل. وشددوا على ان غياب هذه الميزة يضع الامن الغذائي العربي في مواجهة مباشرة مع تقلبات الاسواق الدولية.
واضاف الخبراء ان تكاليف الطاقة والتأمين تلعب دورا محوريا في تحديد السعر النهائي للطن. واوضحوا ان ارتفاع اسعار الوقود اللازم للسفن يساهم بدوره في زيادة الاعباء على المستوردين. واكدوا ان استمرار العمليات العسكرية يعني بقاء علاوة المخاطر مرتفعة مما ينعكس بشكل مباشر على سعر الخبز والمنتجات الغذائية الاساسية التي تعتمد على الحبوب والاعلاف.
