يواجه الاقتصاد الايراني في الوقت الراهن تحديات مركبة تفوق في حدتها الازمات السابقة اذ تضافرت ضغوط الحرب مع العقوبات الدولية لتضع البلاد امام اختبار صعب. وتجلى هذا الوضع من خلال تراجع الناتج المحلي الاجمالي وتسارع معدلات التضخم بشكل غير مسبوق مما القى بظلاله الثقيلة على المستوى المعيشي للمواطنين. واضاف خبراء ان الحصار البحري الذي فرضته القوات الامريكية على الموانئ الحيوية قد ضيق الخناق على قدرة طهران في تصدير النفط والحصول على العملة الصعبة وهو ما جعل المشهد الاقتصادي يبدو في حالة من الترقب المستمر.
استراتيجيات المواجهة والالتفاف على العقوبات
وكشفت تقارير اقتصادية ان الضغوط التي استمرت لاكثر من نصف عام لم تنجح في دفع الاقتصاد نحو الانهيار الكامل كما كان متوقعا في بعض الاوساط الدولية. واوضح وزير الخزانة الامريكي سكوت بيسنت ان واشنطن تنفذ ما اسماه بـ انزال اقتصادي يستهدف مفاصل الدولة مؤكدا ان سياسة تشديد العقوبات ستستمر حتى تغير طهران مسارها. وبين مراقبون ان قدرة ايران على الصمود تعود الى خبرتها الطويلة في ادارة الازمات وامتلاكها شبكات تجارية ومالية سرية ومعقدة تتيح لها الاستمرار في العمل رغم التضييق.
واظهرت بيانات حكومية ان الخسائر الناتجة عن الضربات التي استهدفت البنية التحتية ومصانع الطاقة بلغت مئات المليارات من الدولارات. واكدت مؤشرات السوق ان سعر صرف الريال الايراني سجل تراجعا قياسيا مقابل الدولار في الاسواق غير الرسمية بالتزامن مع ارتفاع التضخم الى مستويات قياسية. واشار محللون الى ان نقص الوقود في المحطات المحلية يعد مؤشرا على عمق الازمة التي تعيشها البلاد في ظل القيود المشددة على حركة الموانئ.
الدور الصيني وشبكات التجارة البديلة
واعتبر محللون ان الصين تلعب دور الشريان الحيوي للاقتصاد الايراني من خلال استيرادها للجزء الاكبر من الصادرات النفطية الايرانية. واضافت تقارير ان المصافي الخاصة في الصين تواصل شراء النفط الايراني وتستخدم بنوكا وسيطة لتسهيل عمليات الدفع وتجاوز النظام المالي الغربي. وبينت المتابعات ان هذه العلاقات التجارية توفر لطهران متنفسا ماليا ضروريا يمنع حدوث شلل كامل في مفاصل الدولة.
وتعمل طهران ضمن ما تسميه اقتصاد المقاومة على تنويع طرق تجارتها البرية والبحرية بعيدا عن المضائق التي تشهد توترات عسكرية. وشدد خبراء على ان الاعتماد على دول الجوار والطرق العابرة للحدود يقلل من تأثير الحصار البحري ويدعم الانتاج المحلي. واكد تقرير لمجموعة الازمات الدولية ان الوصول الى انهيار اقتصادي شامل في ايران يظل امرا مستبعدا نظرا لخبرة الجهاز الاداري في الالتفاف على القيود الخارجية.
واضافت التحركات الدبلوماسية الاخيرة في منظمة شنغهاي ابعادا جديدة لدعم الاقتصاد الايراني من خلال تعزيز الشراكات مع روسيا والهند وباكستان. واوضح الرئيس الايراني مسعود بزشكيان ان الانخراط في هذه التكتلات يهدف الى مواجهة السياسات الاحادية التي تفرضها القوى الغربية. وبينت اللقاءات مع قادة الدول الاعضاء ان هناك رغبة متبادلة في تطوير التعاون التجاري رغم الضغوط التي تمارسها واشنطن على حلفاء طهران.
مضيق هرمز وتداعيات التصعيد العسكري
وكشفت التطورات في مضيق هرمز ان اضطراب الملاحة يرفع تكلفة الحرب على الاقتصاد العالمي وليس فقط على ايران. واوضحت تقارير متخصصة ان ارتفاع اسعار النفط نتيجة التهديدات الامنية يمثل عبئا اضافيا على المستهلكين في اوروبا والولايات المتحدة. واكد اقتصاديون ان طهران تدرك ان ورقة المضيق هي اداة ضغط استراتيجية يمكنها من خلالها التأثير على توازنات القوى الدولية.
وختاما يظل الاقتصاد الايراني في حالة كر وفر مع العقوبات بينما تعتمد الدولة على مزيج من التحالفات الاقليمية والالتفاف التجاري للصمود. واشار مراقبون الى ان دفع الاقتصاد الى الانهيار يظل هدفا معقدا يتطلب حصارا شاملا يصعب تحقيقه في ظل عالم متعدد الاقطاب. ويبقى المستقبل رهنا بقدرة طهران على الحفاظ على قنواتها مع بكين والشركاء في منظمة شنغهاي لمواجهة التبعات الاجتماعية والاقتصادية للحرب.
