بقلم المهندس نبيل إبراهيم حداد


بعد الحديث عن نوري السعيد وجعفر العسكري وياسين الهاشمي، نصل إلى محطة مفصلية في تاريخ الدولة العراقية الحديثة: انقلاب عام 1936 بقيادة الفريق بكر صدقي وبالشراكة السياسية مع حكمت سليمان. ففي هذه المحطة لم يعد الخلاف مجرد تنافس بين رجال الدولة على رئاسة الحكومة أو على طبيعة العلاقة مع الملك وبريطانيا، بل انتقل الجيش من كونه مؤسسة تابعة للدولة إلى قوة قادرة على تغيير الحكومة وفرض اتجاه سياسي جديد.
كان هذا التحول أخطر من مجرد سقوط وزارة وصعود أخرى؛ لأنه أرسى سابقة ستتكرر لاحقاً، وأدخل العراق في مرحلة أصبح فيها السلاح إحدى وسائل حسم الخلاف السياسي.
الدولة بين رجال التأسيس والجيل المعترض
مثّل نوري السعيد وجعفر العسكري وياسين الهاشمي، على اختلافاتهم، جزءاً من جيل الضباط والسياسيين العرب الذين خرجوا من التجربة العثمانية والثورة العربية، ثم شاركوا في تأسيس المملكة العراقية ومؤسساتها. وكانوا يؤمنون، بدرجات متفاوتة، بالقومية العربية وبمركزية الدولة وبضرورة بناء جيش وطني قوي.
لكن النظام الذي أقاموه لم يكن مستقراً تماماً. فقد تركزت السلطة في أيدي نخبة محدودة، وبقي التمثيل السياسي والاجتماعي غير متوازن، كما استمرت التدخلات البريطانية والصراعات بين القصر والحكومات والبرلمان والزعامات المحلية. وتزايدت شكاوى الأكراد والشيعة والقبائل وبعض الأقليات من سياسات المركز، في حين رأى القوميون العرب أن استقلال العراق ظل ناقصاً بسبب النفوذ البريطاني.
في هذه البيئة ظهر بكر صدقي وحكمت سليمان، لا بوصفهما امتداداً طبيعياً لرجال التأسيس، بل باعتبارهما اعتراضاً على احتكارهم للسلطة وعلى توجههم القومي العربي.
من هو بكر صدقي؟
كان بكر صدقي ضابطاً محترفاً في الجيش العثماني قبل انتقاله إلى الجيش العراقي، ثم صعد تدريجياً حتى أصبح من أقوى قادته. ولم يكن منتمياً فكرياً إلى التيار القومي العربي الذي مثّله ياسين الهاشمي وجعفر العسكري ونوري السعيد، بل كان أقرب إلى مفهوم القومية العراقية المنفصلة نسبياً عن المشروع الوحدوي العربي، مع ميل إلى تعزيز علاقات العراق مع تركيا وإيران.
امتلك بكر صدقي شخصية قوية وطموحاً سياسياً واضحاً، لكنه لم يكن صاحب مشروع ديمقراطي. فقد ارتبط اسمه باستخدام الجيش في قمع الاضطرابات الداخلية، ولا سيما خلال أحداث سميل ضد الآشوريين عام 1933، ثم في العمليات العسكرية ضد الانتفاضات العشائرية والشيعية في منتصف الثلاثينيات.
لذلك يصعب تقديمه بوصفه مصلحاً حمل الجيش لإنقاذ المجتمع من ظلم السلطة؛ فقد كان هو نفسه أحد أدوات تلك السلطة قبل أن ينقلب عليها. وقد اكتسب من تلك العمليات نفوذاً واسعاً داخل المؤسسة العسكرية، وأدرك أن الجيش لم يعد مجرد قوة لحماية الحدود، بل أصبح القوة الأكثر تنظيماً في دولة ما زالت مؤسساتها السياسية ضعيفة.
حكمت سليمان: الشريك المدني للانقلاب
كان حكمت سليمان سياسياً عراقياً ذا خلفية عثمانية، اختلف فكرياً مع القوميين العرب المسيطرين على الحكومات العراقية. وقد اقترب من جماعة الأهالي، التي ضمت شخصيات إصلاحية مثل كامل الجادرجي وجعفر أبو التمن، ورفعت شعارات الإصلاح الاجتماعي ومحاربة الفساد وتحسين أوضاع الفلاحين وتوسيع المشاركة السياسية.
رأى حكمت سليمان أن حكومة ياسين الهاشمي أصبحت شديدة المركزية، وأنها ضيّقت على المعارضة والصحافة واستخدمت الجيش لقمع خصومها. لكنه لم يكن يمتلك قوة سياسية كافية لإسقاطها عن طريق البرلمان أو الانتخابات. وهنا التقت مصلحته مع طموح بكر صدقي: السياسي يحتاج إلى قوة الجيش، والجنرال يحتاج إلى واجهة مدنية تمنح تحركه شرعية سياسية.
كانت هذه الشراكة تحمل تناقضاً منذ بدايتها؛ إذ أراد حكمت سليمان وبعض حلفائه استخدام الجيش للوصول إلى الحكم وتنفيذ الإصلاح، بينما أراد بكر صدقي استخدام الحكومة لتثبيت سيطرته على الجيش والدولة. وفي النهاية، كانت الكلمة الأقوى لمن يملك السلاح.
انقلاب عام 1936
استغل بكر صدقي سفر رئيس أركان الجيش، الفريق طه الهاشمي، شقيق رئيس الوزراء، إلى تركيا، فتولى رئاسة الأركان بالوكالة وحرّك الوحدات الموالية له باتجاه بغداد. وفي 29 تشرين الأول/أكتوبر 1936 ألقت الطائرات منشورات تطالب الملك غازي بإقالة حكومة ياسين الهاشمي وتكليف حكمت سليمان بتشكيل حكومة جديدة.
لم يكن الملك غازي بعيداً تماماً عن الصراع السياسي. فقد كانت علاقته بياسين الهاشمي ونوري السعيد مضطربة، ويبدو أنه لم يبدِ استعداداً لمقاومة تحرك الجيش. وتحت ضغط القوات المتقدمة والتهديد باستخدام القوة، قدّم ياسين الهاشمي استقالته وغادر العراق، بينما فرّ نوري السعيد إلى الخارج.
وهكذا تشكلت حكومة حكمت سليمان، لكن السلطة الفعلية أصبحت في يد بكر صدقي بصفته قائد القوة التي جاءت بالحكومة وحمتها. ويُعد هذا الانقلاب أول انقلاب عسكري ناجح في تاريخ العراق الحديث، ويُنظر إليه عموماً باعتباره أول انقلاب عسكري في العالم العربي الحديث.
اغتيال جعفر العسكري: الخطيئة التي لاحقت الانقلاب
كان جعفر العسكري وزيراً للدفاع وأحد مؤسسي الجيش العراقي، كما كانت تربطه صلة عائلية وسياسية وثيقة بنوري السعيد. وعندما علم بتحرك القوات، خرج لمقابلة الضباط ومحاولة إقناعهم بالعودة إلى ثكناتهم، معتمداً على مكانته التاريخية داخل الجيش.
لكن الضباط الموالين لبكر صدقي اعترضوا طريقه وقتلوه.
لم يكن اغتيال جعفر العسكري حادثاً جانبياً؛ بل كان اللحظة التي كشفت طبيعة التحول الجديد. فالجيش الذي أسهم العسكري في تأسيسه أصبح أداة لقتله، وانتقل من طاعة القيادة السياسية إلى تقرير من يحكم ومن يُعزل، بل ومن يعيش ومن يموت.
كما أضر الاغتيال بشرعية الانقلاب وأفزع النخبة السياسية والعسكرية. وربما كان بكر صدقي يعتقد أن التخلص من جعفر سيمنع المقاومة، لكنه في الواقع حوّله إلى رمز، ووحّد ضده ضباطاً وسياسيين كانوا مختلفين فيما بينهم.
كم استمر حكمهما؟
تولى حكمت سليمان رئاسة الحكومة في 30 تشرين الأول/أكتوبر 1936، بينما أصبح بكر صدقي صاحب النفوذ العسكري الفعلي. واستمر هذا الوضع حتى اغتيال بكر صدقي في 11 آب/أغسطس 1937، ثم استقال حكمت سليمان بعد ذلك بستة أيام، في 17 آب/أغسطس 1937.
وبذلك لم يستمر حكمهما المشترك سوى نحو تسعة أشهر ونصف. وهي مدة قصيرة لا تكفي لتنفيذ برنامج اقتصادي واجتماعي واسع، لكنها كانت كافية لإحداث تحول خطير في طبيعة النظام السياسي العراقي.
جماعة الأهالي ودورها في الانقلاب
ارتبط حكمت سليمان بـ«جماعة الأهالي»، وهي حركة فكرية وسياسية إصلاحية ظهرت في أوائل ثلاثينيات القرن العشرين حول صحيفة «الأهالي». ضمت عدداً من المثقفين والسياسيين، من أبرزهم كامل الجادرجي ومحمد حديد وعبد الفتاح إبراهيم وحسين جميل وجعفر أبو التمن.
دعت الجماعة إلى الحكم الدستوري والحريات العامة، وتحسين أوضاع الفلاحين والعمال، وتشجيع الصناعة الوطنية، وتوسيع التعليم والخدمات الصحية، وإقامة دولة عراقية تقوم على المواطنة بعيداً عن التمييز الطائفي والقومي.
تعاون بعض رجال الجماعة مع حكمت سليمان وبكر صدقي لإسقاط حكومة ياسين الهاشمي، معتقدين أن الجيش سيفتح الطريق أمام تنفيذ برنامجهم الإصلاحي. لكنهم سرعان ما اكتشفوا أن بكر صدقي أراد استخدامهم غطاءً سياسياً لانقلابه، بينما كانوا يريدون استخدام قوة الجيش لتحقيق الإصلاح. وعندما اتضح أن القرار الفعلي أصبح بيد القيادة العسكرية، استقال عدد من ممثليهم وانسحبت الجماعة من التحالف.
ولأهمية جماعة الأهالي في نشوء التيار الديمقراطي الاجتماعي في العراق، ولما تكشفه تجربتها من مخاطر استعانة القوى المدنية بالجيش للوصول إلى الحكم، سيُخصَّص لها مقال مستقل يتناول نشأتها وأفكارها وشخصياتها ودورها في الحياة السياسية العراقية.
هل كان للانقلاب مشروع إصلاحي؟
لا يمكن إنكار أن حكومة حكمت سليمان رفعت مطالب تستحق الدراسة. فقد تحدثت عن مكافحة الفساد وإجراء الإصلاحات الاقتصادية والاجتماعية، وتحسين أوضاع الفلاحين، وتقليص نفوذ النخبة التقليدية، واتباع سياسة عراقية أقل اندفاعاً نحو الوحدة العربية وأكثر قبولاً بالتنوع القومي والمذهبي داخل العراق.
لكن التجربة واجهت ثلاثة تناقضات رئيسية:
أولاً، لا يمكن بناء إصلاح ديمقراطي على انقلاب عسكري يهدد المؤسسات الدستورية بالقوة.
ثانياً، لم تكن أهداف بكر صدقي مطابقة لأهداف الإصلاحيين المدنيين. فقد أراد هؤلاء برنامجاً اجتماعياً وسياسياً، بينما انصب اهتمامه على السيطرة على الجيش وإبعاد خصومه وتعيين الضباط الموالين له.
ثالثاً، اعتمدت الحكومة على القوة نفسها التي كان يفترض أن تخضعها للسلطة المدنية. وبذلك أصبحت أسيرة للجنرال الذي أوصلها إلى الحكم.
البرنامج الاقتصادي: نيات إصلاحية وإنجازات محدودة
حملت حكومة حكمت سليمان برنامجاً اقتصادياً واجتماعياً أكثر تقدماً من برامج كثير من الحكومات التي سبقتها. فقد أدرك الإصلاحيون أن مشكلة العراق الأساسية لم تكن سياسية فقط، بل اقتصادية واجتماعية أيضاً، وأن الفقر والنزاعات العشائرية والتفاوت الاجتماعي ترتبط إلى حد بعيد بملكية الأرض وواقع الزراعة.
اشتمل البرنامج المعلن على توزيع الأراضي الحكومية غير المزروعة، وتوطين العشائر، ومعالجة النزاعات المتعلقة بملكية الأراضي، واستصلاح الأرض وتحسين الري، وتشجيع الزراعة والتجارة والصناعات الناشئة، وإصلاح النظام الضريبي، وإنشاء الطرق، وتحسين أوضاع العمال، وتوسيع خدمات الصحة والتعليم.
كان توزيع الأراضي من أكثر المقترحات أهمية وحساسية؛ لأنه مسّ مصالح كبار الملاكين وشيوخ العشائر، فسارع خصوم الحكومة إلى اتهامها بالشيوعية. كما لم يكن داخل الحكومة اتفاق كامل على حدود الإصلاح الزراعي وكيفية تنفيذه.
لم يتحول معظم هذه الطموحات إلى إنجازات اقتصادية قابلة للقياس. فقد افتقرت الحكومة إلى الوقت والاستقرار والتمويل الكافي، ولم تكن لديها إدارة قادرة على تنفيذ برنامج بهذا الاتساع. كما تحول اهتمام بكر صدقي تدريجياً إلى السيطرة على الجيش وإقصاء خصومه.
حتى التحقيق المقترح في الثروات التي تراكمت باستغلال المناصب أُقر من حيث المبدأ، لكنه لم يتحول إلى تشريع قابل للتطبيق. وبذلك كانت الحكومة إصلاحية في نياتها الاقتصادية، لكنها محدودة جداً في إنجازاتها الفعلية.
العراق والعروبة وإيران وتركيا
شكّل الانقلاب تحولاً في توجه العراق الإقليمي. كان ياسين الهاشمي ونوري السعيد وجعفر العسكري ينظرون إلى العراق باعتباره ركناً أساسياً في المشروع العربي، ويربطون سياسته بقضايا سوريا والأردن وفلسطين وبقية المشرق العربي.
أما بكر صدقي وحكمت سليمان، فمالا إلى إعطاء الأولوية للهوية العراقية وعلاقات العراق مع جيرانه غير العرب، ولا سيما تركيا وإيران. ولم يكن هذا التوجه في حد ذاته خيانة للعروبة؛ فقد كان العراق بحاجة إلى تسوية مشكلاته الحدودية وتنظيم علاقاته مع الدول المجاورة.
شارك العراق خلال حكمهما في توقيع ميثاق سعد آباد في تموز/يوليو 1937 مع إيران وتركيا وأفغانستان، وهو ميثاق عدم اعتداء هدف إلى تخفيف التوترات وتعزيز الاستقرار الإقليمي. وقد عكس هذا الاتفاق مقدار الاهتمام الذي أعطته الحكومة لجوار العراق الشرقي والشمالي.
وهنا ظهر صراع مبكر بين مفهومين لهوية العراق: عراق عربي يقود أو يشارك في مشروع المشرق العربي، وعراق وطني متعدد المكونات يعطي الأولوية لبناء الدولة داخل حدودها وعلاقاتها الإقليمية المباشرة.
العلاقة مع الأردن: صداقة هاشمية وحذر سياسي
لم تتجه حكومة حكمت سليمان وبكر صدقي إلى تطوير علاقة خاصة أو مشروع تعاون استراتيجي مع إمارة شرق الأردن، كما فعل أو حاول أن يفعل بعض رجال الدولة العراقيين، وفي مقدمتهم نوري السعيد وجعفر العسكري.
استمرت العلاقات الرسمية بين بغداد وعمّان، وساعدت الروابط الهاشمية بين الملك غازي والأمير عبدالله بن الحسين في المحافظة على ظاهر من الود والتواصل. لكن حكومة حكمت سليمان لم تعتبر العلاقة مع الأردن محوراً رئيسياً في سياستها الإقليمية، إذ أعطت الأولوية لعلاقات العراق مع تركيا وإيران وأفغانستان.
كما كشفت قضية فلسطين عن وجود قدر من التنافس السياسي بين العراق وشرق الأردن. فعندما طُرحت فكرة تقسيم فلسطين وإلحاق القسم العربي المقترح بإمارة شرق الأردن، رأت حكومة حكمت سليمان أن ذلك سيعزز مكانة الأمير عبدالله ويزيد نفوذ عمّان الإقليمي على حساب بغداد.
لذلك لا يمكن وصف العلاقة بين الطرفين بالعداء، لكنها لم تتطور إلى شراكة حقيقية. فقد ظلت ودية في إطارها الرسمي والهاشمي، بينما نظر كل طرف بحذر إلى طموحات الطرف الآخر في فلسطين والمشرق العربي.
متى عرف العرب بمشروع تقسيم فلسطين؟
شُكّلت اللجنة الملكية البريطانية برئاسة اللورد بيل في آب/أغسطس 1936 للتحقيق في أسباب الثورة العربية في فلسطين، ووصلت إلى فلسطين في تشرين الثاني/نوفمبر من العام نفسه. كان العرب يعرفون بوجود اللجنة والتحقيقات التي تجريها، لكن توصيتها بتقسيم فلسطين لم تكن قد أُعلنت رسمياً بعد.
خلال ربيع وبداية صيف 1937، بدأت مؤشرات وتسريبات دبلوماسية وصحفية تفيد بأن اللجنة تتجه نحو اعتبار استمرار الانتداب بصيغته القائمة أمراً غير ممكن، وأنها قد توصي بتقسيم فلسطين. ولا يمكن تحديد يوم واحد دقيق عرف فيه العرب بالخطة قبل إعلانها؛ لأن المعرفة بها انتقلت تدريجياً عبر الاتصالات السياسية والتسريبات والمداولات البريطانية.
لكن من الواضح أن بعض القيادات الفلسطينية والعربية، ومنها الحكومة العراقية، كانت قد علمت بالاتجاه العام للتوصية قبل نشر التقرير. ويؤكد ذلك أن حكمت سليمان عبّر، قبل الإعلان الرسمي، عن رفضه تقسيم فلسطين وإلحاق الجزء العربي المقترح بإمارة شرق الأردن.
أما الإعلان الرسمي فقد صدر في 7 تموز/يوليو 1937، عندما نُشر تقرير لجنة بيل. أوصى التقرير بإنشاء دولة يهودية، وإلحاق القسم العربي من فلسطين بشرق الأردن، والإبقاء على القدس وبيت لحم وممر يصل إلى البحر تحت الإدارة البريطانية.
كان ما صدر تقريراً وتوصية سياسية وافقت عليها الحكومة البريطانية من حيث المبدأ، وليس قراراً تنفيذياً نهائياً بالتقسيم. وقد تعثرت الخطة لاحقاً بسبب صعوبات سياسية وسكانية ومالية، ثم تراجعت عنها بريطانيا عملياً.
بكر صدقي وحكمت سليمان أمام مشروع التقسيم
لم يكن بكر صدقي مشاركاً في وضع مشروع لجنة بيل، ولا تتوافر أدلة قاطعة على أنه ناقش شخصياً حدود التقسيم أو فاوض البريطانيين بشأنها. وكان دوره في القضية نابعاً أساساً من كونه القوة العسكرية التي استندت إليها حكومة حكمت سليمان.
بعد أيام من انقلاب 1936، أعلن بكر صدقي أن سياسة العراق تجاه فلسطين لن تتغير، لأنها ليست سياسة حكومة بعينها، بل سياسة الشعب العراقي. وكان هذا التصريح ضرورياً لطمأنة الرأي العام والقوميين العرب والفلسطينيين الذين شككوا في توجهه.
لكن الحكومة، في أشهرها الأولى، تبنت خلف الأبواب المغلقة سياسة أكثر براغماتية. ففي شباط/فبراير 1937 زار بغداد مبعوثون مرتبطون بالوكالة اليهودية، واجتمعوا بحكمت سليمان وعدد من الوزراء، من دون وجود دليل واضح على اجتماعهم ببكر صدقي نفسه.
اقترح حكمت سليمان بصورة خاصة إنشاء اتحاد فضفاض يضم العراق وشرق الأردن وفلسطين. ورأى أن قيام هذا الاتحاد الواسع قد يسمح باستمرار الهجرة اليهودية من دون أن يصبح العرب أقلية ضمن الكيان الاتحادي الكبير.
لكن هذه كانت فكرة خاصة بحكمت سليمان، ولم تكن هي مشروع لجنة بيل، كما لا يوجد دليل كافٍ على أنها حصلت على موافقة رسمية من بكر صدقي أو مجلس الوزراء.
فمشروع حكمت سليمان كان يقوم على إبقاء فلسطين ضمن اتحاد أوسع، أما مشروع لجنة بيل فكان يقوم على تقسيمها جغرافياً وإنشاء دولة يهودية مستقلة في جزء منها.
الرفض العراقي الرسمي للتقسيم
بعد نشر تقرير لجنة بيل في 7 تموز/يوليو 1937، أعلنت حكومة حكمت سليمان اعتراض العراق الشديد. واحتجت لدى بريطانيا، وطالبت ببقاء فلسطين موحدة، وإقامة حكومة عربية فيها، ووقف الهجرة اليهودية.
كان بكر صدقي شريكاً في المسؤولية السياسية عن هذا الموقف باعتباره صاحب النفوذ العسكري الفعلي، لكن النشاط الدبلوماسي والإعلامي العلني قاده حكمت سليمان ووزير الخارجية ناجي الأصيل.
استند الرفض العراقي إلى عدة اعتبارات:
•    رفض العراقيين والعرب إنشاء دولة يهودية وتقسيم فلسطين.
•    خوف الحكومة من أن يؤدي التساهل إلى إسقاطها تحت ضغط المعارضة القومية.
•    القلق من وقوع حيفا وخط أنابيب النفط العراقي ضمن الدولة اليهودية المقترحة.
•    رفض تقوية الأمير عبدالله بإلحاق القسم العربي من فلسطين بشرق الأردن.
•    المحافظة على مكانة العراق ودوره في القضية الفلسطينية.
وقال حكمت سليمان، في معرض تفسير موقفه، إن أي حكومة عراقية لن تستطيع البقاء في السلطة إذا تجاهلت الكراهية الشعبية لمشروع تقسيم فلسطين. وهذا الاعتراف يوضح أن تشدد الحكومة لم يكن نابعاً من سياستها الخارجية وحدها، بل أيضاً من إدراكها أن فلسطين أصبحت معياراً لشرعية أي حكومة عراقية.
لذلك سيكون من غير الدقيق القول إن بكر صدقي دعم تقسيم فلسطين، كما سيكون من غير الدقيق تصوير حكومته على أنها تبنت منذ البداية الموقف القومي نفسه الذي تبنته الحكومات السابقة.
الأقرب إلى الحقيقة أن حكومة بكر صدقي وحكمت سليمان بدأت بموقف براغماتي أقل ارتباطاً بالقومية العربية، وبحثت سراً عن تسوية تشمل الاتحاد والهجرة اليهودية، ثم انتقلت إلى رفض علني وقوي للتقسيم عندما أصبح مشروع لجنة بيل رسمياً، وظهر حجم المعارضة العراقية والعربية له.
سقوط بكر صدقي وحكمت سليمان
استمرت تجربة الانقلاب أقل من عام. فقد أدت ترقيات بكر صدقي وتعيين المقربين منه إلى تزايد استياء الضباط، كما جعلته سياساته واغتيال جعفر العسكري هدفاً لخصوم كثيرين.
في 11 آب/أغسطس 1937، اغتيل بكر صدقي في الموصل وهو في طريقه إلى تركيا. وباغتياله انهارت القوة التي استندت إليها حكومة حكمت سليمان، فاضطر سليمان إلى الاستقالة بعد ستة أيام، وعاد رجال النظام السابق، وفي مقدمتهم نوري السعيد، إلى الساحة السياسية.
مات بكر صدقي بالطريقة السياسية نفسها التي ساهم في تكريسها: لم يُهزم في انتخابات، ولم يُعزل بقرار دستوري، وإنما أُزيل بالعنف. أما حكمت سليمان، فقد أثبتت تجربته أن السياسي الذي يستدعي الجيش للتغلب على خصومه قد يصل إلى الحكم، لكنه يفقد القدرة على التحكم بالقوة التي أوصلته إليه.
مسؤولية الملك غازي
لا تكتمل قراءة الانقلاب من دون التوقف عند موقف الملك غازي. فالملك لم يصنع الانقلاب منفرداً، ولكنه قبله ولم يأمر بمقاومته بصورة حاسمة، وربما رأى فيه فرصة للتخلص من حكومة ياسين الهاشمي وتقليص نفوذ نوري السعيد.
كان ذلك خطأً استراتيجياً؛ لأن قبول القصر بتغيير الحكومة تحت ضغط الجيش أضعف هيبة الملكية الدستورية نفسها. وعندما استعان الملك بصورة غير مباشرة بالجيش لموازنة نفوذ السياسيين، منح الضباط حقاً لم يكن لهم من قبل: حق تقرير مصير الحكومات.
وبذلك لم ينتصر الملك على خصومه المدنيين، بل ساعد على ظهور منافس أخطر هو المؤسسة العسكرية المسيّسة.
هل كان انقلاب بكر صدقي إصلاحاً أم بداية انهيار؟
ربما كان النظام السياسي العراقي قبل عام 1936 يحتاج فعلاً إلى إصلاح عميق. فقد عانى من تضييق المشاركة السياسية، وسيطرة النخبة، وضعف التمثيل الاجتماعي، وتدخل بريطانيا، وتكرار الأزمات بين الحكومات والقصر والبرلمان.
لكن الانقلاب لم يعالج هذه المشكلات، بل أضاف إليها مشكلة أخطر: تحويل الجيش إلى حَكَم فوق السياسة.
لم يكن كل ما طرحه حكمت سليمان وجماعة الأهالي خاطئاً، كما لم يكن خصومهم أبرياء من الاستبداد أو الفساد أو سوء إدارة التنوع العراقي. إلا أن صحة بعض مطالب الإصلاح لا تمنح الشرعية لاستخدام الجيش لفرضها. فالإصلاح الذي لا تحميه المؤسسات يتحول إلى سلطة شخصية، والجيش الذي يدخل السياسة بحجة إنقاذ الدولة يصعب إعادته إلى الثكنات.
الخلاصة
لم يكن بكر صدقي مجرد ضابط طموح، ولم يكن حكمت سليمان مجرد سياسي إصلاحي. لقد مثّل الاثنان تحالفاً بين القوة العسكرية والمعارضة المدنية ضد نخبة الحكم القائمة. نجح التحالف في إسقاط ياسين الهاشمي وإبعاد نوري السعيد وتغيير اتجاه الحكومة، لكنه دفع جعفر العسكري حياته ثمناً له، وفشل في إنشاء نظام مستقر أو تنفيذ إصلاح اقتصادي مستدام.
حمل النظام برنامجاً طموحاً لإصلاح الزراعة والري وملكية الأراضي والضرائب والصناعة وأوضاع العمال، لكنه ترك وراءه وعوداً أكثر مما ترك منجزات. كما أعاد توجيه اهتمام العراق نحو تركيا وإيران، وحافظ على علاقة رسمية ودية مع الأردن من دون أن يبني معها شراكة استراتيجية.
وفي قضية فلسطين، انتقلت الحكومة من براغماتية غير معلنة إلى رفض صريح لمشروع التقسيم بعد صدور تقرير لجنة بيل رسمياً في 7 تموز/يوليو 1937. وقد اختلط في موقفها الدفاع عن وحدة فلسطين بالخشية على المصالح العراقية في حيفا، والحذر من تقوية الأمير عبدالله، والضغط الشعبي والقومي داخل العراق.
كانت تجربة 1936 إنذاراً مبكراً لم يُحسن العراق قراءته. فقد أثبتت أن ضعف النظام الدستوري لا يؤدي بالضرورة إلى إصلاحه، بل قد يفتح الطريق أمام الجيش. ومنذ ذلك الوقت لم يعد السؤال العراقي مقتصراً على: من يشكل الحكومة؟ بل أصبح أيضاً: من يملك القوة القادرة على إسقاطها؟
ولهذا يمكن القول إن بكر صدقي وحكمت سليمان لم يؤسسا نظاماً جديداً بقدر ما كسرا الحاجز الذي كان يفصل الجيش عن الصراع على السلطة. ومن خلال ذلك الكسر بدأ مسار طويل من الانقلابات والتدخلات العسكرية انتهى بعد أكثر من عقدين بسقوط النظام الملكي نفسه عام 1958.