د. حازم قشوع
لم تنتهِ حرب إيران بعد حتى بدأت واشنطن تتحدث عن مرحلة ما بعد الحرب، فقد كشفت Axios أن إدارة الرئيس دونالد ترامب تعمل على صياغة استراتيجية جديدة للشرق الأوسط، تقوم على إعادة ترتيب البيئة الإقليمية بعد الحرب، واحتواء إيران، وتعزيز التحالفات الإقليمية، ودفع مسار التطبيع بين إسرائيل والدول العربية، بما في ذلك السعي نحو اتفاق سعودي–إسرائيلي. ولا تزال الخطة في طور الإعداد، إلا أن اتجاهاتها العامة تكشف عن انتقال السياسة الأمريكية من إدارة الحرب إلى هندسة نتائجها.
وتقوم الرؤية الأمريكية، وفق ما يتسرب عنها، على ثلاثة محددات رئيسية: إعادة صياغة موقع إيران في النظام الإقليمي، ومعالجة الملفات التي خلفتها حرب غزة وما ترتب عليها في سوريا ولبنان، ثم توسيع اتفاقات أبراهام ودفع العلاقات الإسرائيلية العربية إلى مرحلة أكثر تقدماً وصولاً إلى السعودية التى تعتبر هدف استراتيجي فى التطبيع . وهذه المحددات تكشف أن واشنطن لا تتعامل مع الحرب باعتبارها حدثاً عسكرياً ينتهي بوقف إطلاق النار، وإنما باعتبارها فرصة لإعادة بناء منظومة سياسية وأمنية مختلفة في المنطقة، يتجاوز هدفها احتواء إيران إلى إعادة توزيع الأدوار الإقليمية وربط الأمن بالتطبيع والاقتصاد وإنتاج توازن جديد يحول دون عودة الصراع إلى صيغته السابقة.
غير أن جوهر هذه الهندسة يبقى مرتبطاً بمستقبل القضية الفلسطينية، إذ لا يمكن فصل مسار التطبيع العربي الإسرائيلي عن شكل الحل الفلسطيني الذي سيأتي بعد الحرب. فالدولة الفلسطينية، إذا أريد لها أن تكون جزءاً من التسوية الإقليمية، تحتاج إلى أرض متصلة وسيادة سياسية وترابط جغرافي بين الضفة الغربية وقطاع غزة اما القدس فان الحديث قد يعود للتدويل مره اخرى كما يصف ذلك سياسيين ، بما يجعل من فلسطين دولة قابلة للحياة، لا مجرد إدارة مدنية للسكان أو كيان محدود الصلاحيات عبر فصل البناء الجغرافي عن التكوين الديموغرافي سيما وان هذه الصيغة مازالت ضبابيه فى مرجعيتها السيادية وهذا ما يجعل مجالاتها الحيوية متحفظ عليها مهما اتسعت الترتيبات الأمنية والاقتصادية المحيطة به.
ويتصل بذلك ملف التهجير والتوطين، الذي عاد إلى الواجهة داخل إسرائيل مع اقتراب الانتخابات، بعدما جدد وزراء من اليمين الإسرائيلي دعواتهم إلى إخراج سكان غزة، في وقت تتشكل فيه معركة سياسية حول مستقبل الحكومة الإسرائيلية المقبلة. وأي انتقال من الخطاب السياسي إلى سياسة عملية في هذا الاتجاه لن يبقى شأناً إسرائيلياً أو فلسطينياً، بل سيعيد إنتاج قضية اللاجئين على مستوى الإقليم، ويضع دول الجوار أمام تداعيات سياسية وأمنية وديموغرافية مباشرة وهذا ما يجعل من خطة ترامب لادامه الاستقرار نظريه ما لم تحمل روح مرجعيه القانون الدولي للحل ومرجعياته .
ومن هنا تكتسب الانتخابات الإسرائيلية المقبلة أهمية تتجاوز تشكيل الحكومة، لأنها ستحدد طبيعة الشريك الإسرائيلي الذي ستتعامل معه إدارة ترامب في تنفيذ ترتيبات ما بعد الحرب. فإذا اتجهت الحكومة المقبلة نحو الاندماج الإقليمي والتطبيع والتسوية السياسية، فإن اتفاقات أبراهام يمكن أن تدخل مرحلة توسع نوعي. أما إذا اتجهت نحو الضم والاستيطان والتهجير وإعادة رسم الجغرافيا الفلسطينية، فإن المشروع الأمريكي سيصطدم بالسقف العربي وبالقانون الدولي ، وستصبح عملية التطبيع أكثر تعقيداً، خصوصاً مع السعودية.
فالسعودية تمثل الحلقة الأكثر أهمية في هذه المعادلة، ليس فقط بسبب وزنها العربي والإسلامي والاقتصادي، وإنما لأن انتقالها إلى علاقة طبيعية مع إسرائيل سيعني عملياً انتقال اتفاقات أبراهام إلى مستوى إقليمي مختلف. ولهذا فإن العلاقة السعودية الإسرائيلية لن تكون مجرد اتفاق ثنائي، وإنما جزءاً من صفقة سياسية وأمنية واقتصادية أكبر، وسيبقى الملف الفلسطيني أحد محدداتها الرئيسية.
أما عربياً، فإن المرحلة المقبلة تعيد تعريف موقع الدول العربية في النظام الإقليمي. فلم تعد هذه الدول مجرد أطراف تتلقى الترتيبات الأمنية الأمريكية، بل أصبحت صاحبة مصلحة مباشرة في صياغة النظام الذي سيأتي بعد الحرب. وستكون السعودية ومصر والأردن ودول الخليج أطرافاً رئيسية في أي ترتيبات تتصل بغزة والضفة الغربية والأمن الإقليمي والطاقة والممرات الاقتصادية.
وفي المقابل، فإن إعادة ترتيب المنطقة يمكن أن تفتح أمام الأردن مساحة أوسع لتثبيت دوره في منظومة الأمن الإقليمي والممرات الاقتصادية والربط بين الخليج والعراق وسوريا وفلسطين. فالأردن يمتلك موقعاً يجعله حلقة وصل بين المشرق والخليج، كما أن استقراره يمثل مصلحة مباشرة في
أي منظومة إقليمية جديدة تقوم على الأمن والتعاون الاقتصادي.وعليه، فإن هندسة ترامب لما بعد الحرب لا تبدو مجرد خطة لاحتواء إيران أو توسيع دائرة التطبيع، وإنما محاولة لإعادة بناء منظومة إقليمية تربط الأمن بالسياسة والاقتصاد والتطبيع.
غير أن نجاحها سيبقى مرهوناً بقدرتها على إنتاج تسوية فلسطينية قابلة للحياة، ومنع تحويل التهجير أو التوطين إلى أدوات للحل، وضبط الاتجاهات الإسرائيلية التي قد تدفع نحو الضم وتغيير الجغرافيا وهذا ما يجب على الرئيس ترامب رفضه ووضع حد لهذه السياسات ومن يقف وراءها من تيارات اسرائيليه كما يتطلب الامر بذات السياق عودة امريكا لتكون مرجع للحل بعد سيطرة الحزب الديموقراطي وصوت الاعتدال الجمهوري فى مقاعد الكابتول الداعم لتحقيق السلام والمناوىء لفرض السلام بالقوة هذا اذا ما اراد ترامب التعاون مع بيت القرار وليس التصادم معه بشكل مباشر سيما وان ذلك يجعله يكون البطه العرجاء فى بيت القرار .
فما بعد الحرب لن يكون نسخة من الشرق الأوسط الذي سبقها؛ إذ إن نتائج الحرب ستعيد توزيع القوة، بينما ستتولى السياسة إعادة توزيع الأدوار. وفي قلب هذه العملية ستبقى فلسطين محدد الاستقرار الإقليمي، وستبقى إسرائيل أمام خيار الاندماج في محيطها أو الاستمرار في إدارة الصراع، فيما سيكون الأردن معنياً بصورة مباشرة بمخرجات أي ترتيب يتعلق بالضفة وغزة والقدس والحدود وهذا ما يجعل من الاردن مرجع مهم فى رسم ميزان التفاوض وتقديم مشروعية قبول الامر الذى يتطلب من مطبخ القرار الامريكي صياغه البرنامج القادم بمشاركه الاردن وبعض الدول ااماثره لما يشكله الاردن من نقطه توازن ومحور اتزان بين المجتمع الدولي وبيت القرار سيما وقد استطاع الاردن من بيان شراكته العضويه فى
مسرح الميدان .
وفي الخلاصة، فإن تسريب ملامح برنامج ترامب لما بعد الحرب يعني أن الاشتباك الميداني، حتى وإن لم تُغلق ملفاته بالكامل، بدأ يتحول إلى اشتباك سياسي حول شكل المنطقة المقبلة. وهذا يعني أن أجندة «السلام بالقوة» انتهى مفعولها ، وأن برنامجاً آخر يقوم على العلاقات الطبيعية وإعادة بناء منظومة الشرق الأوسط بدأ يتبلور.
لكن السؤال الأهم لن يكون في قدرة واشنطن على إعادة ترتيب المنطقة، وإنما في شكل هذا الترتيب وحدوده. فهل يكون التطبيع مدخلاً إلى نظام إقليمي تشارك فيه إسرائيل باعتبارها دولة من دول المنطقة، تجلس إلى طاولة" مستديرة" تحكمها قواعد مشتركة ومرجعيات سياسية وقانونية متفق عليها؟ أم أن إسرائيل تحقق ما تريد من موقع مختلف، يجعلها على سدة الطاولة" المستطيلة"، بما يمنحها دور المرجعية الأمنية للمنطقة، ويعيد تعريف موازينها على أساس القوة والأمن بدلاً من الأدبيات القيمية والمرجعيات القانونية؟
وهنا تحديداً تكمن المسألة التي تحتاج إلى إجابة واضحة قبل أن تبدأ واشنطن بتقديم هندستها الجديدة للشرق الأوسط. فالمنطقة لا تحتاج إلى تغيير شكل الطاولة فقط، وإنما ايضا إلى تحديد قواعد الجلوس عليها، ومن يملك حق رسمها، وما هي المرجعيات التي تحكمها. فإذا كان المقصود بناء شرق أوسط جديد يقوم على العلاقات الطبيعية والتكامل الاقتصادي والأمن المشترك، فإن ذلك يتطلب معالجة أصل الصراع الفلسطيني، وتحديد موقع إسرائيل داخل النظام الإقليمي، وضمان ألا تتحول القوة إلى مرجعية بديلة عن القانون تنقل الجميع من "بيت الحكم " حيث يكون الاحتكام للمنطق الى "بيت السلطة" حيث يكون فرض الارادة بالقوة .
وهي الأرضية التي يفترض أن تكون حاضرة عندما تُطرح هندسة ترامب للشرق الأوسط بعد الحرب، خصوصاً مع اقتراب الاستحقاق السياسي الأمريكي في نوفمبر المقبل؛ فالمعركة المقبلة لن تكون فقط على من انتصر في الحرب، وإنما على من سيهندس شكل السلام، ومن سيحدد قواعد النظام الإقليمي الذي سيأتي بعدها وهذا بحاجه الى ترتيبات عميقه فى البرنامج السياسي لبيان درجه الاشتباك ومنهجية جديدة فى تصميم السياسات لتكون فى مواجهة هندسة ترامب وبيان الاحتكام .
