قررت وكالة فيتش للتصنيفات الائتمانية تثبيت التصنيف السيادي لتونس عند مستوى بي سالب مع الإبقاء على نظرة مستقبلية مستقرة للاقتصاد التونسي. واوضحت الوكالة في تقريرها الحديث أن هذا التقييم يستند إلى تمتع البلاد بتنوع اقتصادي نسبي ومؤشرات جيدة في التنمية البشرية فضلا عن وجود قوة عاملة متعلمة قادرة على الصمود رغم الصدمات الخارجية المتلاحقة. وبينت أن الوضع الخارجي للبلاد يظهر متانة نسبية على الرغم من استمرار الضغوط الكبيرة المرتبطة بارتفاع الدين الحكومي واتساع العجز المالي والحاجة المستمرة لتمويلات خارجية ضخمة. واكدت ان هذه المعطيات تعكس هشاشة المالية العامة في مواجهة تقلبات أسعار السلع العالمية لا سيما مع تزايد تكاليف الدعم المباشر ومحدودية الخيارات التمويلية المتاحة أمام الحكومة في الوقت الراهن.

مؤشرات الحساب الجاري والتمويل

وتوقعت فيتش اتساع عجز الحساب الجاري ليصل إلى نحو ثلاثة فاصل تسعة بالمئة من الناتج المحلي خلال الفترة المقبلة نتيجة ارتفاع فاتورة الطاقة وتأثيرها المباشر على الميزان التجاري. واضافت أن هذا التراجع يأتي على الرغم من الأداء الإيجابي لصادرات زيت الزيتون والنمو الملحوظ في قطاع الخدمات الذي يساهم في تخفيف حدة الأزمات. وكشفت الوكالة عن توقعاتها بتراجع العجز إلى مستويات أقل من اثنين ونصف بالمئة خلال السنوات القادمة بشرط انخفاض أسعار النفط العالمية. وشددت على أن الاقتصاد التونسي لا يزال شديد الحساسية تجاه أي ارتفاع طويل الأمد في أسعار الطاقة العالمية مما يفرض تحديات كبيرة على صناع القرار. واشارت إلى أن تونس نجحت في سداد سندات اليورو المستحقة بدعم من إجراءات البنك المركزي مما ساعد في استقرار التدفقات المالية وتخفيف الضغوط الخارجية.

الاستقرار المالي وواقع الدين

واظهرت التقديرات أن الدين الحكومي التونسي سيبقى مرتفعا عند حدود خمسة وثمانين بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي خلال المدى المتوسط. واوضحت الوكالة أن نسبة كبيرة من هذا الدين مقومة بالعملات الأجنبية مما يجعل المالية العامة عرضة لمخاطر تقلبات أسعار الصرف. وبينت أن الحكومة تواجه صعوبات في تنفيذ إصلاحات مالية جوهرية نظرا لانتهاء جهود خفض الإنفاق الجاري لا سيما فاتورة الأجور. واكدت أن الحاجة إلى التمويل ستظل مرتفعة مقارنة بالدول ذات التصنيف المماثل مما قد يضطر السلطات إلى الاعتماد بشكل أكبر على الاقتراض المحلي في المستقبل القريب. واضافت أن استمرار البنك المركزي في دعم الموازنة عبر قروض مباشرة يمثل أداة حيوية حاليا لكنها قد تشكل ضغوطا على القطاع المالي المحلي إذا استمرت بوتيرة متصاعدة.

التضخم والضغوط الاجتماعية

وكشفت فيتش أن الضغوط التضخمية ستظل تحت السيطرة نسبيا بفضل سياسات الدعم المتبعة وتوفر ظروف مناخية داعمة للقطاع الزراعي. واوضحت أن متوسط التضخم يتجه نحو الانخفاض تدريجيا مقارنة بالمستويات المرتفعة التي سجلت خلال السنوات الماضية. وبينت أن معدلات النمو الحقيقي للناتج المحلي الإجمالي من المتوقع أن تستقر عند نحو اثنين بالمئة سنويا على المدى المتوسط. واكدت الوكالة أن التحديات الاجتماعية والاضطرابات الناتجة عن نقص إمدادات المياه والكهرباء وارتفاع البطالة تظل عوامل ضاغطة على الحكومة. واضافت أن المخاطر السياسية تبدو محدودة حاليا لكن المخاطر المالية تظل مرتفعة في ظل احتمالات زيادة الإنفاق الاجتماعي استجابة للمطالب الشعبية في المدن الكبرى.