تشهد اسواق المعادن العالمية تحولات حادة مع تصاعد اسعار النحاس الى مستويات قياسية غير مسبوقة مدفوعة بطلب تقني هائل تفرضه متطلبات الذكاء الاصطناعي ومشاريع الطاقة المتجددة. واظهرت البيانات الاخيرة ان هذا الارتفاع لم يعد مجرد تقلب عابر بل نتيجة لضيق الامدادات المنجمية وتزامن ذلك مع عمليات سحب واسعة للمخزونات نحو الولايات المتحدة. واكد خبراء ان هذا الشح في المعروض خارج السوق الامريكية وضع ضغوطا كبيرة على المصاهر العالمية وسلاسل التوريد المرتبطة بالشبكات الكهربائية والمركبات الحديثة.

واضافت التقارير ان عقود النحاس سجلت ارقاما تاريخية في بورصات لندن وشنغهاي حيث تجاوزت حاجز الـ 14 الف دولار للطن في لندن واكثر من 16 الف دولار في شنغهاي. وبينت المؤشرات ان السعر الفوري المحلي في الصين ارتفع بنسبة تجاوزت 50% مقارنة بمستويات العام الماضي. واوضح محللون ان هذا التضخم في الاسعار يعكس حالة من التوتر في الاسواق العالمية التي باتت تعاني من ندرة المعدن المتاح للتسليم الفوري.

واكد تقرير اقتصادي ان مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي اصبحت تمثل محرك طلب فائق القوة على النحاس. واشار الى ان هذه المراكز تعتمد بشكل متزايد على تقنيات التبريد السائل وهياكل التغذية بالتيار المستمر التي تستهلك كميات ضخمة من المعدن. وشدد الباحثون على ان كل خزانة حوسبة واحدة قد تتطلب ما يصل الى الف كيلوغرام من النحاس. بينما تتوقع مؤسسات مالية عالمية زيادة سنوية في استهلاك مراكز البيانات تقدر بنحو 110 الاف طن.

الذكاء الاصطناعي ومعادلة الطلب الجديدة

وكشفت التقديرات ان الطلب لم يعد مقتصرا على مراكز الحوسبة بل امتد ليشمل البنية التحتية الكهربائية اللازمة لتشغيلها. واوضحت البيانات ان السيارات الكهربائية تستهلك كميات من النحاس تزيد بثلاث الى خمس مرات عن المركبات التقليدية. وذكر خبراء ان التوسع في استخدام النحاس اصبح ركيزة اساسية في كل ما يخص شبكات الطاقة والمحولات الكهربائية الضخمة.

واضاف المحللون ان التوقعات بفرض رسوم استيراد امريكية جديدة على النحاس المكرر خلقت حافزا قويا للتجار لنقل المعدن نحو الولايات المتحدة. وبينت الارقام ان مخزونات بورصة كومكس الامريكية تضخمت بشكل لافت لتستحوذ على نحو 70% من المخزونات الظاهرة عالميا. واكد مراقبون ان هذا التدفق حول السوق الامريكية الى مركز جذب عالمي يمتص الفائض ويخلق ندرة في الاسواق الاخرى.

واوضح مديرو ابحاث المعادن ان فارق السعر بين البورصات العالمية شجع التجار على عمليات المراجحة ونقل النحاس. واشاروا الى ان انخفاض مخزونات بورصة لندن وارتفاع اوامر السحب يؤكدان ان المشكلة تتعلق بجدولة توفر المعدن وليس بنقص في الانتاج العالمي الكلي. وشددوا على ان التحدي الحالي يكمن في توزيع الموارد المتاحة في ظل تقلبات السياسات التجارية.

اختناق المصاهر والضغوط الصناعية

وكشفت المصاهر الصينية عن مواجهتها لظروف تشغيل صعبة للغاية مع انخفاض رسوم المعالجة الى مستويات سالبة. واضاف مسؤولون في قطاع الصهر ان الشركات باتت تضطر لدفع مبالغ مقابل معالجة الخام بدلا من تحقيق ارباح. وبينت التقارير ان المصانع بدات تعتمد على المنتجات الثانوية لتغطية خسائرها التشغيلية. واكدت ان هذا الوضع دفع العديد منها الى تقليص الانتاج والبحث عن بدائل مثل الخردة والواح الانود.

واضافت المصادر ان صناعة الكابلات تعاني ايضا من ضغوط كبيرة بسبب العقود طويلة الاجل التي لا تسمح بتعديل الاسعار. وشدد مسؤولون في هذه الشركات على ان ارتفاع التكاليف يهدد هوامش الربح بشكل مباشر. وبينت دراسات ان بعض الشركات بدات تتجه نحو استخدام الالمنيوم كبديل ارخص في تطبيقات معينة لتقليل الاعتماد على النحاس المكلف.

واكدت تحليلات السوق ان التوقعات تشير الى استمرار بقاء الاسعار عند مستويات مرتفعة بسبب طول دورة تطوير المناجم الجديدة. واوضح خبراء ان المسار القادم يعتمد بشكل كلي على القرارات الامريكية بشأن الرسوم الجمركية. واضافوا ان اي تصحيح في الاسعار مرهون بمدى استقرار سلاسل التوريد العالمية وتراجع حدة المضاربات في اسواق المعادن.