تشهد العلاقات الاقتصادية بين السعودية وتركيا تحولا جذريا نحو بناء شراكات استثمارية وصناعية طويلة الامد تتجاوز نطاق التبادل التجاري المعتاد. وتتقاطع في هذا المسار الجديد رؤوس الاموال والخبرات التقنية في قطاعات حيوية تشمل الطاقة المتجددة والصناعات الدفاعية والسياحة والخدمات اللوجستية. واظهرت التحركات الاخيرة توجها نحو توطين الصناعات ونقل التقنية لضمان استدامة هذه الشراكة بعيدا عن تقلبات الاسواق التقليدية.

واكد رئيس مكتب الاستثمار والتمويل التابع للرئاسة التركية احمد بوراك داغلي اوغلو ان الاستثمارات السعودية في تركيا سجلت قفزة نوعية في الفترة الاخيرة. وبين ان المستثمرين السعوديين باتوا يفضلون عمليات الاستحواذ والاندماج وشراء حصص في الشركات التركية عبر الصناديق الاستثمارية. واضاف ان هذا التوجه يعكس استراتيجية جديدة تهدف لتعزيز الحضور السعودي في قطاعات البنوك والعقارات والصناعات التحويلية.

واوضح داغلي اوغلو ان الشركات التركية بدورها تكثف تواجدها في السوق السعودي للاستفادة من الفرص الضخمة التي توفرها رؤية 2030 والمشاريع الكبرى. وشدد على ان التطور الايجابي في العلاقات السياسية منح المستثمرين ثقة اكبر لتنفيذ مشاريع طويلة الاجل. وكشف ان الحجم الفعلي للاستثمارات السعودية في تركيا يفوق الارقام المعلنة نظرا لاعتماد المستثمرين على صناديق مسجلة في مراكز مالية دولية.

افاق واعدة في الطاقة والصناعة

وعد داغلي اوغلو دخول شركة اكوا السعودية في مشاريع الطاقة المتجددة التركية نموذجا مثاليا لهذا التعاون الاستراتيجي. واشار الى ان الشركات السعودية تمتلك خبرات متقدمة في تطوير وتشغيل المشاريع الكبرى مما يفتح الباب لمزيد من الشراكات في هذا القطاع. واضاف ان الفترة المقبلة ستشهد خطوات ملموسة لتعزيز التعاون في الطاقة النظيفة تزامنا مع التوجهات العالمية للتحول نحو مصادر الطاقة المستدامة.

وقال الامين العام لتجمع ساها اسطنبول للصناعات الدفاعية والطيران مطلب توتونجو ان التعاون الدفاعي بين الرياض وانقرة انتقل من مرحلة التصدير الى مرحلة الشراكة الصناعية. وبين ان الطموحات السعودية لتوطين الصناعات العسكرية تتكامل بشكل لافت مع القدرات التقنية التي طورتها تركيا مؤخرا. واضاف ان الشركات التركية تنظر للسوق السعودي كشريك استراتيجي طويل الامد وليس مجرد وجهة لتصريف المنتجات.

واكد توتونجو ان التعاون يمتد ليشمل نقل التكنولوجيا وتأهيل الكوادر الوطنية وتأسيس سلاسل امداد محلية داخل السعودية. وشدد على ان هذا التكامل الصناعي يشمل مجالات الطيران والالكترونيات والتقنيات المتقدمة. واوضح ان صفقات الطائرات المسيرة كانت بمثابة نقطة انطلاق نحو آفاق اوسع من التصنيع المشترك وتطوير القدرات الدفاعية.

تكامل سياحي وتنمية مستدامة

واشار داغلي اوغلو الى وجود فرص كبيرة لبناء نموذج تكامل سياحي موسمي بين البلدين. واوضح ان شركات الضيافة والخدمات التركية يمكنها نقل خبراتها للسوق السعودي خلال فترات انخفاض الطلب في تركيا للمساهمة في دعم المشاريع الترفيهية والسياحية بالمملكة. واضاف ان هذا التعاون لا يقتصر على المؤسسات الكبرى بل يمتد لدعم الشركات المتوسطة والصغيرة ورواد الاعمال.

ويرى المسؤولون ان المرحلة القادمة تحمل في طياتها نموا متصاعدا للاستثمارات المتبادلة مدفوعة بالرغبة المشتركة في جذب استثمارات نوعية. وشددوا على ان العلاقات السعودية التركية تجاوزت مرحلة استعادة الزخم التجاري لتصل الى بناء مصالح اقتصادية عميقة. واكدوا ان هذا المسار الاستراتيجي يضمن مستقبلا مستقرا للشراكة الاقتصادية بين البلدين في مختلف المجالات.