يواجه تكتل بريكس اختبارا حقيقيا لتماسكه في ظل تباين الرؤى بين أعضائه حول طبيعة الدور الذي يجب أن يلعبه التكتل على الساحة الدولية. فبينما يمتلك التكتل ثقلا اقتصاديا وديموغرافيا يمثل نحو نصف سكان الكوكب ويسهم بأكثر من 65% من ناتج الجنوب العالمي، تظل الخلافات السياسية حجر عثرة أمام تحويل هذا الحجم الضخم إلى قوة موحدة ذات تأثير استراتيجي متناغم.

واظهرت التطورات الاخيرة ان التوسع الكبير في عضوية التكتل ليضم 11 دولة قد زاد من تعقيد المشهد بدلا من تبسيطه. واكد مراقبون ان هذا التنوع في المصالح الوطنية للدول الاعضاء جعل التوصل الى اتفاقيات سياسية مشتركة امرا بالغ الصعوبة، حيث باتت التباينات تطفو على السطح في كل مناسبة تجمع صناع القرار من هذه الدول.

وبينت الوقائع ان التكتل يعاني من ازمة هوية حقيقية، حيث تنقسم الرؤى بين معسكر يطمح لتحويل بريكس الى كيان سياسي مناهض للنفوذ الغربي، وآخر يفضل الحفاظ عليه كمنصة اقتصادية براغماتية تتجنب الصدامات السياسية الدولية التي قد تضر بمصالحها التجارية مع شركاء خارج التكتل.

جذور التكتل والتحولات الاقتصادية

وبدات حكاية بريكس كمجرد توقعات اقتصادية في تقرير لبنك غولدمان ساكس عام 2001، لتتحول مع مرور الوقت الى واقع ملموس يجمع قوى ناشئة تسعى لموازنة القوى العالمية. واضاف المحللون ان الهدف الاساسي كان يتمحور حول تعزيز التعاون المالي، الا ان طموحات الدول الاعضاء توسعت بشكل كبير لتشمل ابعادا سياسية غير مسبوقة.

واوضح الخبراء ان حجم التجارة البينية لا يزال دون المستوى المأمول، حيث لا تتجاوز نسبته 20% من اجمالي تجارة دول الجنوب العالمي. واشاروا الى ان الصين تظل المحرك الرئيسي لهذا النشاط، بينما تظل باقي الدول تعتمد بشكل متفاوت على بعضها البعض، مما يجعل الاندماج الاقتصادي الكامل هدفا بعيد المنال في الوقت الراهن.

وتابع التكتل مساعيه لتقليل الاعتماد على الدولار من خلال تعزيز استخدام العملات المحلية في التعاملات التجارية. وبينت التقارير ان روسيا حققت خطوات ملموسة في هذا المجال، حيث جرت نسبة كبيرة من معاملاتها داخل التكتل باستخدام عملات غير الدولار، مما يعزز توجه بريكس نحو بناء نظام مالي موازٍ.

المعضلة السياسية ومستقبل التماسك

واكدت الاحداث الاخيرة فشل التكتل في اصدار بيانات مشتركة في مناسبات عدة، وهو ما يعكس عمق الهوة بين الاعضاء بشأن القضايا الدولية الساخنة. واضافت المصادر ان الخلافات وصلت الى حد التباين العلني في المواقف خلال اجتماعات وزراء الخارجية، حيث تمسكت بعض الدول برفض تبني لغة حادة تجاه الغرب، بينما اصرت دول اخرى على ضرورة اتخاذ مواقف سياسية صارمة.

وشدد المحللون على ان بنك التنمية الجديد يظل النقطة المضيئة في مسار بريكس، حيث نجح في تمويل عشرات المشاريع التنموية في الطاقة والنقل. واوضحوا ان هذا النجاح الاقتصادي يمثل الرابط الاكثر متانة بين الاعضاء، مما يمنح التكتل فرصة للاستمرار رغم الاضطرابات السياسية التي تلاحق اجتماعاته.

وختاما، يبقى بريكس رهينة لمعادلة صعبة، فالمال يمثل الغراء الذي يجمع الدول، بينما تظل السياسة هي العامل الذي يفرقها ويختبر مدى قدرة هذا الكيان على الصمود امام التجاذبات الدولية.