يستعد البنك المركزي الاوروبي لاتخاذ خطوة حاسمة اليوم عبر رفع اسعار الفائدة للمرة الثانية خلال العام الجاري، في مسعى استراتيجي لمحاصرة موجة تضخمية متصاعدة تذكيها تقلبات اسعار الطاقة العالمية. وتأتي هذه الخطوة في ظل توترات جيوسياسية متزايدة تعيد شبح ارتفاع تكاليف الوقود والغاز الى الواجهة، مما يضع صناع السياسة النقدية في منطقة اليورو امام تحديات اقتصادية معقدة تتطلب حذرا شديدا.
واوضحت المعطيات الراهنة ان الهجمات الاخيرة على منشآت الطاقة والشحن ساهمت في تقويض حالة الاستقرار النسبي التي سادت الاسواق، مما دفع اسعار النفط والغاز نحو مستويات تثير المخاوف من انتقال صدمة الاسعار الى اقتصادات القارة العجوز. وبين خبراء الاقتصاد ان البنك المركزي يتجه لرفع سعر الفائدة الرئيسي الى 2.50 في المئة، مع ارسال اشارات واضحة بانه لن يتردد في مواصلة سياسة التشديد النقدي اذا لم يظهر مسار التضخم تراجعا ملموسا في الاشهر المقبلة.
وكشفت تقارير تحليلية ان رفع الفائدة في سبتمبر الحالي يبدو خيارا محسوما لدى صناع القرار، لا سيما مع استمرار عناد التضخم وتوقعات ببقائه عند مستويات مرتفعة لفترة اطول مما كان مأمولا. واضافت تلك التحليلات ان البنك المركزي الاوروبي يستند في قراراته الى مؤشرات اقتصادية متماسكة اثبتت قدرة المنطقة على امتصاص صدمات تكاليف الوقود، مع استمرار وتيرة الاقراض المصرفي في تسجيل مستويات تشير الى ان النشاط الاقتصادي لا يزال يتحمل الضغوط الحالية.
مرونة الاقتصاد الاوروبي امام اختبارات الطاقة
وشدد محللون ماليون على ان الرئيسة كريستين لاغارد ستتبنى على الارجح موقفا يتسم بالحذر والمراقبة الدقيقة، مع الاحتفاظ بهامش مرونة يسمح باجراء رفعات اضافية للفائدة قبل نهاية العام الجاري. واكدت البيانات المالية ان ظروف التمويل اصبحت اكثر تشددا بالفعل، حيث سجلت عوائد السندات طويلة الاجل ارتفاعات قياسية لم تشهدها الاسواق منذ ما قبل الازمة المالية العالمية نتيجة تزايد المخاوف من تضخم الدين الحكومي.
وبينت المتابعات ان التنافس المحتدم على السيولة بين اصدارات السندات الحكومية واحتياجات شركات التكنولوجيا الكبرى لتمويل ابتكارات الذكاء الاصطناعي ساهم في زيادة الضغوط الصعودية على العوائد. واشار مراقبون الى ان البنك المركزي الاوروبي قد يرفع توقعاته للنمو الاقتصادي بفضل صمود المنطقة، الا انه في المقابل قد يضطر الى تأجيل موعد عودة التضخم الى مستهدفه البالغ 2 في المئة نظرا لتجاوزه حاليا حاجز 3 في المئة.
واضاف لورينزو كودونيو ان ارتفاع اسعار خام برنت وتجاوزه عتبة المئة دولار للبرميل يعقد مهمة لاغارد بشكل كبير، حيث تهيئ هذه الظروف مناخا لموجة تضخمية جديدة قد تفرض واقعا مختلفا في اجتماعات اكتوبر وديسمبر المقبلة. واوضح اننا ربما نقف الان امام نقطة تحول مفصلية في مسار التضخم، حيث بدأت الاجور تظهر ضغوطا صعودية واضحة في ظل ارتفاع تكاليف المعيشة.
تحديات التضخم الاساسي ومستقبل القيادة
واكدت بيانات التضخم الاساسي التي تستثني اسعار الطاقة والغذاء تراجعا طفيفا الى 2.4 في المئة، مما يعطي بصيصا من الامل في ان الضغوط لا تزال ضمن نطاق يمكن السيطرة عليه. واشار محللون في باركليز الى ان التضخم يتراكم بهدوء تحت السطح، حيث تكتسب اسعار السلع زخما مقلقا يضع تضخم السلع الاساسية على مسار اكثر صلابة في الارباع القادمة.
وبين كارستن برزيسكي ان الشركات الالمانية تمكنت حتى الان من استيعاب جزء من ارتفاع التكاليف، وهو سلوك يختلف جذريا عما حدث خلال صدمة الطاقة التي اعقبت احداث 2022. واضاف ان هذا التكيف المؤسسي يمنح الاقتصاد الاوروبي قدرا من الحماية، لكنه يظل رهنا بتطورات الاحداث في الشرق الاوسط وتداعياتها على امدادات الطاقة.
واظهرت التوقعات ان لاغارد ستواجه الى جانب ملف السياسة النقدية تساؤلات حول مستقبلها المهني على رأس المؤسسة النقدية الاوروبية، خاصة مع اقتراب نهاية ولايتها الحالية في 2027. واكدت لاغارد في مناسبات عدة التزامها بالبقاء في منصبها، نافية اي تكهنات حول رحيل مبكر، بينما تتجه الانظار نحو اي تغييرات محتملة في المناصب القيادية العليا داخل البنك المركزي الاوروبي.
