تتساءل الاوساط الاقتصادية عن جدوى استهداف واشنطن لبنك في تي بي الروسي بعقوبات جديدة، خاصة وأنه كان يخضع بالفعل لقيود غربية واسعة النطاق. كشفت الخطوة الامريكية الاخيرة أن الامر لا يتعلق بإدراج اسم جديد في قوائم الحظر فحسب، بل يمثل اختبارا حقيقيا لقدرة كل من موسكو وطهران على تحويل التقارب السياسي بينهما إلى واقع ملموس في مجالات الدفع والتسويات المالية بعيدا عن هيمنة الدولار. أظهرت بيانات وزارة الخزانة الامريكية أن البنك الروسي قد أقام علاقات مراسلة مع مؤسسات إيرانية خاضعة للعقوبات، بالإضافة إلى فتحه مكاتب في طهران وقيامه بخطوات لنقل أصول إيرانية مجمدة، وهو ما دفع واشنطن لفرض قيود إضافية لعرقلة هذا المسار.

ما الذي تضيفه العقوبة على بنك معزول؟

وبينت وزارة الخزانة الامريكية أن البنك كان قد أدرج سابقا في فبراير 2022 نظرا لصلاته بالقطاع المالي الروسي، ليعود ويخضع لعقوبات أخرى في يناير 2025. وأوضحت أن الإجراء الأخير يربط البنك بشكل مباشر بقنوات تسوية مالية محددة بين العاصمتين الروسية والإيرانية. وأضافت التقارير أن وظيفة العقوبة هنا قد تغيرت، إذ لا تهدف فقط لإغلاق أبواب كانت مغلقة جزئيا، بل تسعى لرفع سقف المخاطر أمام أي وسيط أو شركة أجنبية قد تفكر في التعامل مع البنك ضمن المسار الإيراني. وأكد الخبير الاقتصادي ستانيسلاف ميتراخوفيتش أن الأثر المباشر قد يكون محدودا، نظرا لتكيف البنوك الروسية مع القيود السابقة، مع احتمال لجوء الطرفين لاستخدام اليوان كعملة بديلة إلى جانب الروبل والريال.

عملتان أم بنية دفع؟

وأشار خبراء إلى أن استخدام العملات المحلية قد يقلل الحاجة للدولار في صفقات ثنائية، إلا أنه لا يغني عن وجود شبكة مالية متكاملة تضمن استقرار التعاملات. وأوضح المحللون أن التبادل التجاري الواسع يتطلب حسابات مراسلة وسيولة نقدية وآليات تسعير مقبولة، وهو الجوهر الذي يجعل بنك في تي بي محورا في هذه القصة. وأضافوا أن بيان الخزانة الامريكية يركز على البنية التحتية التي تنقل الاتفاق السياسي من مجرد تصريحات إلى مستوى الدفع الفعلي، حيث يسعى الطرفان لبناء ممرات بديلة لاستمرار التجارة حينما تصبح القنوات التقليدية مغلقة أو مكلفة للغاية.

من تستهدفه العقوبات؟

وكشف الأكاديمي غازي العساف عن قراءة مغايرة، مبينا أن المعيار الحقيقي ليس قدرة واشنطن على وقف كل تعامل، بل قدرتها على دفع الوسطاء نحو مزيد من الحذر. وأوضح أن القنوات البديلة قد لا تختفي كليا، لكنها ستصبح أضيق وأكثر تعقيدا، حيث ينسحب بنك أو يطلب وسيط عمولة أعلى، مما يحول كل عملية تجارية إلى مخاطرة مكلفة. وشدد على أن المؤسسات المالية الاجنبية التي تواصل التعامل مع البنك الروسي باتت تواجه خطرا أكبر، حيث يتيح القانون الامريكي فرض قيود قاسية على حسابات المراسلة للمؤسسات التي تسهل معاملات كبيرة لجهات مدرجة، وهو ما يجعل حلقة الوسطاء أضعف وأقل كفاءة في ظل الضغوط المستمرة.

اختبار شبكة لا اختبار عملة

وأكد الخبراء أن الاختبار الحقيقي ليس في نجاح صفقة واحدة، بل في قدرة هذه القناة على استيعاب تجارة أكبر وتحويلات أسرع دون أن تصبح التكاليف باهظة. وأضافوا أن الهدف الامريكي يتجاوز مجرد منع التعامل، ليصل إلى جعل هذا المسار المالي محدودا وغير قابل للتوسع. وأوضحوا أن المعركة الحقيقية تدور بين قدرة واشنطن على الترهيب المالي، وقدرة موسكو وطهران على بناء هيكل دفع يصمد أمام العزلة الدولية، مما يجعل المستقبل المالي لهذه الشبكة رهنا بمدى تحمل الوسطاء لمخاطر العقوبات.