يظل اسم عمر المختار حاضرا في الوجدان الشعبي الليبي باعتباره رمزا جامعاً رغم حالة التشرذم السياسي والجغرافي التي تعيشها البلاد منذ سنوات طويلة. ومع حلول ذكرى استشهاده الخامسة والتسعين، تبرز شخصية شيخ المجاهدين كقوة معنوية قادرة على تجاوز الانقسامات الحادة بين الشرق والغرب، حيث يجد الليبيون في تاريخه النضالي ضد الاستعمار الايطالي مساحة مشتركة نادرة للاتفاق.
واشار المختار احمد المختار، وهو احد احفاد اسرة البطل الليبي، الى ان الانقسام السياسي الراهن لا يزال يلقي بظلاله الثقيلة على هذه الذكرى الوطنية الخالدة. واضاف ان المفارقة المؤلمة تكمن في ان الليبيين اليوم لا يجدون ما يجمع كلمتهم سوى استحضار ذكريات الكفاح المسلح الذي قاده اجدادهم ضد الاحتلال، مؤكدا ان العودة الى قيم الرموز الوطنية العظيمة كانت كفيلة بتغيير واقع البلاد نحو الافضل.
وبين ان الاهتمام بشخصيات تاريخية مثل عمر المختار وبشير السعداوي يمثل ضرورة ملحة لتجاوز الازمات الراهنة وطي صفحة الصراعات التي استنزفت مقدرات الدولة. وشدد على ان التفاف الليبيين حول هذه الرموز يمثل صمام امان للهوية الوطنية في مواجهة التحديات الخارجية والتدخلات التي تزيد من تعقيد المشهد الانتقالي.
ارث عمر المختار في ذاكرة الاجيال
وكشف فرج نجيم، مدير مكتب ادارة وحماية ضريح عمر المختار في بنغازي، عن وجود اجماع وطني غير مسبوق على مكانة شيخ المجاهدين رغم التباينات القبلية والجهوية والسياسية. واوضح ان المتحف التابع للضريح يضم مقتنيات تعبر عن هذا الحضور العابر للمناطق، حيث يستقبل زوارا من كافة انحاء ليبيا، بما في ذلك شباب من طرابلس يعبرون عن تقديرهم لرمزيته من خلال زيارات منظمة.
واكد نجيم ان مقتنيات المتحف، التي تشمل سلاسل حديدية استخدمها الاحتلال وبنادق قديمة للمجاهدين، تروي قصة كفاح جماعي لا يخص منطقة بعينها بل يمتد ليشمل كل شبر من الاراضي الليبية. واضاف ان توثيق اللحظات العفوية للزوار من مختلف المدن يثبت ان ارث المختار لا يزال حيا في ذاكرة الاجيال الجديدة التي تبحث عن نموذج للوحدة الوطنية.
واظهرت الجولات الميدانية في بنغازي مدى حرص الليبيين على استعادة الذاكرة التاريخية عبر ترميم النصب التذكارية والاهتمام بالمتاحف التي تخلد ذكرى المقاومة. وبين ان وجود صور فنية ورسومات مستوحاة من شخصية المختار داخل المتحف تعكس حالة من التماهي العاطفي التي تتجاوز حدود الجغرافيا المحلية وتصل الى عمق الوجدان الشعبي.
سلوق ومكانة الرفات في وجدان الليبيين
واوضح جمال هاشم، احد سكان مدينة سلوق، ان احتضان المدينة لرفات شيخ المجاهدين يمثل مسؤولية تاريخية ووطنية يعتز بها جميع الاهالي. واضاف ان توافد الليبيين من الجنوب والغرب والشرق لزيارة القبر يعزز من مكانة سلوق كوجهة وطنية تجمع ولا تفرق، مؤكدا ان هذه الزيارات تساهم في استحضار قيم النضال المشترك التي يحتاجها المواطن الليبي اليوم.
واكد الناشط مراجع توكا ان رحلات زيارة الضريح في سلوق تشكل مناسبة لاعادة قراءة التاريخ الوطني بعيدا عن لغة السياسة والمصالح الضيقة. واضاف ان هذه الزيارات تمنح الليبيين شعورا بالانتماء لكيان واحد، مشددا على ان استحضار ذكرى المختار هو استحضار لمشروع الدولة التي ضحى من اجلها الابطال بدمائهم.
وبين ان وجود مقتنيات مرتبطة بعمر المختار في متاحف العاصمة طرابلس يؤكد ان الرمز التاريخي لا يمكن اختزاله في منطقة جغرافية واحدة. واختتم بالقول ان القوى السياسية والعسكرية المختلفة، رغم تباعد مواقفها، تجد في سيرة سيدي عمر المساحة الوحيدة التي يمكن ان يتفق فيها الجميع على ثوابت الوطن الواحد.
