لم يعد السؤال: ماذا قال الأردن؟ بل ماذا سيفعل العالم؟

بقلم: عثمان عبيد

في اللحظات المفصلية، لا تكون الكلمات مجرد كلمات.

وعندما يقف جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين على منبر الأمم المتحدة، فإن الأردن لا يكون حاضراً لمجرد إلقاء خطاب، وإنما يكون حاضراً بموقفه، بثوابته، وبصوت شعبه الذي يعرف جيداً معنى الأمن والاستقرار، ويعرف أيضاً أن السلام الحقيقي لا يمكن أن يقوم على الظلم أو التهجير أو فرض الأمر الواقع.

جلالة الملك تحدث أمام العالم... وبصوت واضح لا يحتمل التأويل.

تحدث عن فلسطين، وعن غزة والضفة الغربية، وعن القدس، وعن مخاطر استمرار السياسات التي تفرض وقائع جديدة على الأرض، وعن ضرورة أن يحصل الشعب الفلسطيني على حقوقه المشروعة، وأن يكون هناك طريق سياسي يقود إلى السلام العادل.

كما أكد أن ما يجري في المنطقة لا يمكن فصله عن أمن الدول وسيادتها واستقرارها، وأن الأردن لن يقف متفرجاً عندما يتعلق الأمر بأمنه الوطني وحدوده ومصالحه.

وهنا، اسمحوا لي أن أطرح سؤالاً واحداً:

ماذا بعد أن تحدث الملك؟

كم مرة تحدث العالم عن القانون الدولي؟

كم مرة صدرت القرارات؟

كم مرة أُطلقت الدعوات للسلام؟

وكم مرة شاهد العالم المأساة بأم عينه، ثم اكتفى بالبيانات والتنديد؟

العالم اليوم لا يحتاج إلى مزيد من الكلمات التي تصف الألم... العالم بحاجة إلى أفعال.

بحاجة إلى قرارات تُنفذ.

بحاجة إلى حماية المدنيين.

بحاجة إلى وقف التهجير.

بحاجة إلى احترام القانون الدولي.

وبحاجة إلى حل سياسي عادل ينهي الصراع، لا إلى إدارة الأزمة من عام إلى آخر ومن جيل إلى جيل.

إن موقف الأردن ليس موقفاً عابراً فرضته ظروف سياسية مؤقتة.

فلسطين بالنسبة للأردن قضية ثابتة، والقدس ليست عنواناً في خطاب سياسي، والمقدسات الإسلامية والمسيحية في القدس أمانة تاريخية وهاشمية.

وقد جدد جلالة الملك في الأيام الأخيرة التأكيد على ضرورة أن يحصل الشعب الفلسطيني على حقوقه كاملة، بما في ذلك إقامة دولته المستقلة على أساس حل الدولتين، كما حذر من محاولات فرض وقائع جديدة في القدس والضفة وغزة.

أما الأردن، فله أيضاً رسالة لا تقل وضوحاً:

أمن الأردن ليس ورقة تفاوض.

سيادة الأردن ليست مجالاً للمساومة.

حدود الأردن ليست ساحة لتصفية حسابات الآخرين.

والشعب الأردني الذي حافظ على وطنه وسط واحدة من أكثر مناطق العالم اضطراباً، يدرك أن الأمن والاستقرار ليسا أمراً عادياً يمكن التفريط به.

نحن مع السلام.

لكننا نريد سلاماً عادلاً.

نحن مع الاستقرار.

لكننا نريد استقراراً يحفظ الحقوق والسيادة.

ونحن مع الحلول السياسية.

لكننا نرفض أن تكون الحلول السياسية غطاءً لفرض أمر واقع جديد أو تهجير شعب من أرضه.

وهذه هي الرسالة التي حملها الأردن إلى الأمم المتحدة.

لم يذهب الأردن ليبحث عن التصفيق.

ولم يذهب ليزايد على أحد.

ذهب ليقول ما يؤمن به، وليضع المجتمع الدولي أمام مسؤولياته.

والآن، بعد أن وصلت الرسالة إلى أكبر منبر دولي، لم يعد السؤال:

ماذا قال الأردن؟

لقد سمع العالم ماذا قال الأردن.

السؤال الحقيقي أصبح:

ماذا سيفعل العالم؟

هل ستبقى القرارات حبراً على ورق؟

هل ستبقى المعاناة مجرد أرقام في تقارير الأمم المتحدة؟

هل سيستمر العالم في إدارة الصراع بدلاً من إنهائه؟

أم أن المجتمع الدولي سيترجم مبادئه وقراراته إلى خطوات حقيقية تصنع السلام وتحمي الإنسان وتضع حداً لمعاناة الشعوب؟

لقد تحدث جلالة الملك.

والآن جاء دور العالم ليثبت أنه كان يستمع... لا أن يسمع فقط.

أما نحن في الأردن، فنقولها بكل وضوح:

نقف خلف وطننا.

نقف خلف أمن الأردن واستقراره وسيادته.

نقف مع القدس ومقدساتها.

نقف مع حق الشعب الفلسطيني في الحرية والدولة والكرامة.

ونؤمن بأن السلام الذي يستحقه أبناؤنا وأبناء المنطقة جميعاً هو السلام الذي يقوم على العدالة والحقوق، لا على القوة وفرض الأمر الواقع.

لقد قال الأردن كلمته.

وقالها من على منبر العالم.

والتاريخ وحده سيكتب بعد ذلك:

من تحدث؟

ومن سمع؟

ومن تحرك؟

ومن اختار الصمت؟

أما الأردن، فقد اختار أن يتحدث.

وسيظل صوته واضحاً: وطنٌ آمن، وقرارٌ مستقل، وحقوقٌ لا تُباع، وسلامٌ عادل لا يقوم على حساب الشعوب.

حفظ الله الأردن، وحفظ جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين، وسمو ولي العهد الأمير الحسين بن عبدالله الثاني، وأدام على وطننا الأمن والاستقرار والعزة.