يواجه القطاع المصرفي في سوريا تحديات معقدة بعد مرور اشهر على اعادة تفعيل الربط مع نظام التراسل المالي العالمي سويفت، حيث لا يزال الطريق طويلا امام المصارف المحلية لاستعادة دورها في النظام المالي الدولي. وبينما يسعى مصرف سوريا المركزي لوضع جدول زمني دقيق لتطبيع العمليات المصرفية، يرى مراقبون ان الربط التقني وحده لا يمثل حلا سحريا للازمات الهيكلية التي يعاني منها الاقتصاد السوري.

واكد خبراء ماليون ان التحدي الجوهري لا يكمن في النظام التقني ذاته، بل في معضلة الثقة المفقودة بين البنوك السورية والمؤسسات الدولية. واوضح المختصون ان غياب الشفافية وضعف الحوكمة يمثلان عائقا امام اي محاولات لدمج السوق السورية في المنظومة المصرفية العالمية، مما يفرض تكاليف امتثال مرتفعة قد تمنع البنوك المراسلة من التعامل مع نظيراتها السورية في المدى المنظور.

وشدد المحللون على ان المستثمرين والبنوك يبحثون دائما عن بيئة مستقرة تضمن سعر صرف مرن وقدرة على تدفق الاموال، وهو ما تفتقده السوق المحلية حاليا. وبين المتابعون ان سمعة المصارف السورية تضررت بشدة جراء سنوات من العزلة، مما يجعل مهمة اعادة بناء العلاقات مع البنوك المراسلة عملية شاقة ومكلفة تتطلب اصلاحات جذرية تتجاوز مجرد التراسل الالكتروني.

عقبات الامتثال وازمة الثقة الدولية

واشار اكاديميون في مجال التمويل والمصارف الى ان نجاح سوريا في العودة الى سويفت يعد خطوة تقنية بحتة، لكنها تظل ناقصة دون اقتناع البنوك الدولية بان السوق السورية لم تعد منطقة محفوفة بالمخاطر. واضافوا ان غياب سجل اداء موثق للمصارف السورية، وتأخر التقييمات الدولية المطلوبة، يعززان من حالة الحذر لدى المؤسسات المالية الكبرى التي تخشى التبعات الجيوسياسية.

واوضح الخبراء ان استمرار العزلة المالية يدفع الاقتصاد نحو الاعتماد على قنوات غير رسمية مرتفعة التكاليف، مما يؤدي الى استنزاف احتياطي القطع الاجنبي وتجميد عوائد التصدير. واكدوا ان الحل الامثل يكمن في تعزيز التعاون مع المصارف المركزية الاقليمية وبناء مسارات مالية بديلة تساهم في تحسين السمعة المصرفية تدريجيا بدلا من انتظار حلول دولية قد تطول.

وبين حاكم مصرف سوريا المركزي صفوت رسلان في توضيح رسمي ان النظام لم يكن متوقفا تقنيا، بل كان معزولا بفعل العقوبات، مشيرا الى ان العمل جار حاليا على اعادة بناء شبكة المراسلات المصرفية. واضاف ان المصرف يعمل على خطوات متدرجة لفتح قنوات التعامل بالعملات الاجنبية المختلفة لتسهيل العمليات التجارية وتحسين كفاءة التحويلات الخارجية.

نتائج اولية ومسار زمني طويل

وكشف رسلان عن بدء تفعيل تحويلات تجارية عبر عدد من المصارف السورية باستخدام الدولار واليورو وعملات اقليمية، معتبرا ذلك مؤشرا ايجابيا على التعافي المصرفي. واضاف ان هذه الخطوات لا تزال في مراحلها الاولى وتحتاج الى اشهر طويلة من العمل الدؤوب لضمان استقرار العلاقات المصرفية وتوسيع نطاق قبولها دوليا.

واكد المصرف المركزي ان استعادة الثقة مع العالم ليست عملية فورية، بل هي مسار يحتاج الى صبر واجراءات تقييم متبادلة مع البنوك المراسلة. وبين ان الهدف الحالي هو توسيع شبكة المراسلات بشكل تدريجي لتقليل الاعتماد على الوسائل البديلة وضمان انسيابية العمليات المالية بما يخدم الاقتصاد الوطني.

واختتم المصرف تصريحاته بالتأكيد على ان الاستراتيجية المتبعة تركز على بناء علاقات متينة خطوة بخطوة، مع مراعاة كافة متطلبات الامتثال الدولية. وتظل التوقعات الاقتصادية معلقة بمدى قدرة النظام المصرفي السوري على تجاوز الفجوة الهيكلية واقناع العالم باستقرار بيئته الاستثمارية والمالية في ظل الظروف الراهنة.