بقلم: مؤيد أحمد المجالي
هناك أشياء لا يستطيع رئيس دولة أن يملكها بمجرد أن يعلن ذلك.
الأرض واحدة منها.
والبحر واحدة منها.
والتاريخ واحدة منها.
والقانون الدولي واحدة منها.
لكن يبدو أن هناك من يريد أن يختبر فكرة جديدة:
ماذا لو استطاعت القوة أن تعيد تسمية الأشياء قبل أن تعيد امتلاكها؟
هنا تبدأ قصة (مضيق ترامب).
ففي خضم الحرب الأميركية ـ الإيرانية، وفي اليوم الذي طرحت فيه طهران مقترحاً لإعادة فتح مضيق هرمز خلال سبعة أيام بشروط محددة، نشر الرئيس الأميركي دونالد ترامب خريطة يظهر فيها المضيق باسم (Trump Strait).
قد يقول أحدهم: إنها مجرد صورة.
وقد يقول آخر: إنها مجرد استفزاز سياسي.
وقد يراها ثالثة رسالة انتخابية.
لكن التاريخ السياسي لا يتعامل دائماً مع الصور باعتبارها صوراً.
أحياناً تكون الصورة إعلاناً عن عقل سياسي كامل.
والسؤال هنا ليس: هل يستطيع ترامب تغيير اسم مضيق هرمز؟
السؤال أخطر:
هل يستطيع الأقوياء أن يغيروا اللغة التي نصف بها العالم، ثم يحاولوا تحويل اللغة إلى واقع؟
ليست مزحة:
لو كان الأمر مجرد نكتة، لكان من السهل تجاوزه.
لكن (مضيق ترامب) لم يظهر في فراغ.
لقد جاء بعد أشهر من تصريحات أميركية أكدت السيطرة على المضيق، بل إن البيت الأبيض أعلن في أغسطس أن الولايات المتحدة (تسيطر) على مضيق هرمز، مستنداً إلى عمليات عسكرية ومرافقة بحرية وفرض حصار على إيران.
وهنا تتغير دلالة الصورة.
لأننا لم نعد أمام رئيس يقول:
أنا أريد السيطرة على المضيق.
بل أمام خطاب يقول، بصورة أو بأخرى:
أنا أسيطر عليه، ولذلك أستطيع أن أسميه.
وهذه هي النقطة التي تستحق التوقف.
فالقوة العسكرية شيء.
والسيادة القانونية شيء آخر.
والقدرة على فرض الأمر الواقع شيء.
والحق في امتلاك الإقليم شيء مختلف تماماً.
الخطر يبدأ عندما تختلط القوة بالحق:
القانون الدولي لا يقول إن من يملك الأسطول الأقوى يملك البحر.
ولا يقول إن الدولة التي تستطيع حماية السفن تستطيع تحويل الممر المائي إلى ملكية خاصة.
بل إن اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار تميز بوضوح بين سيادة الدول المشاطئة وبين نظام المرور في المضائق المستخدمة للملاحة الدولية.
وتنص المادة 34 على أن سيادة الدول المشاطئة للمضائق لا تتأثر من حيث الأصل بنظام المرور، بينما تقرر المادة 38 حق المرور العابر في المضائق التي تنطبق عليها شروطها، وتؤكد المادة 44 عدم جواز عرقلة هذا المرور أو تعليقه.
أي أن المسألة ليست:
من يملك السفن؟
بل:
ما هو النظام القانوني الذي يحكم السفن والمياه والسيادة والمرور؟
وهنا يفشل منطق القوة المطلقة.
لأن القانون لا يتحول إلى تابع للأسطول.
هرمز ليس قطعة أرض أميركية:
يمكن لواشنطن أن تمتلك أقوى بحرية في العالم.
يمكنها أن تنتشر عسكرياً.
يمكنها أن ترافق السفن.
يمكنها أن تفرض حصاراً.
يمكنها أن تفتح ممراً بالقوة.
كل ذلك يدخل في عالم القدرة.
لكن القدرة لا تنتج وحدها حق الملكية.
وهذا التفريق ليس فلسفة قانونية.
إنه أساس النظام الدولي.
وإلا فما الذي يمنع غداً قوة أخرى من القول:
هذا البحر لي لأنني أستطيع السيطرة عليه؟
وهذا الميناء لي لأنني أستطيع احتلاله؟
وهذا المضيق يحمل اسمي لأن أسطولي يقف عند مدخله؟
إذا أصبح هذا هو معيار العالم، فلن يبقى قانون دولي.
سيبقى شيء واحد:
ميزان القوة.
ومن هنا تصبح (مضيق ترامب) أخطر من مجرد تسمية
لأن التسمية في السياسة ليست دائماً بريئة.
الدول تعرف جيداً أن الاسم يصنع الوعي.
وحين تكرر اسماً جديداً ألف مرة، تبدأ الأجيال الجديدة في التعامل معه كأنه كان موجوداً منذ البداية.
وهكذا تبدأ عملية خطيرة:
الاسم يصنع الاعتياد، والاعتياد يصنع القبول، والقبول يصنع الأمر الواقع.
وهذا بالضبط ما يجعل الخرائط السياسية شديدة الخطورة.
الخريطة لا تقول فقط أين توجد الأشياء.
الخريطة تقول أيضاً:
من يعتقد أنه يملك الحق في تعريف الأشياء.
إيران ليست بريئة من لعبة القوة:
لكن الإنصاف يقتضي ألا نحول هذه القصة إلى رواية عن قوة واحدة.
إيران نفسها استخدمت مضيق هرمز كورقة ضغط استراتيجية، وأصبح المضيق محوراً رئيسياً للمساومة في الحرب الحالية.
وقد عرضت طهران فتحه خلال سبعة أيام مقابل شروط تتضمن رفع الحصار البحري، وتخفيف العقوبات على صادرات النفط، ووقفاً لإطلاق النار، ثم استئناف المفاوضات النووية.
وهذا يعني أن طهران أيضاً تتعامل مع المضيق باعتباره أداة قوة وتفاوض.
لكن الفرق الجوهري هو أن استخدام موقع جغرافي كورقة ضغط لا يحول تلقائياً ذلك الموقع إلى ملكية للطرف الذي يستخدمه.
وهنا يجب أن يبقى القانون حاضراً.
هرمز ليس ملكاً لمن يستطيع إغلاقه:
هذه قاعدة يجب ألا تضيع وسط ضجيج الحرب.
فإذا كان منطق إيران:
نحن نستطيع إغلاق المضيق، إذن نملك قرار المرور.
وكان منطق الولايات المتحدة:
نحن نستطيع فتح المضيق بالقوة، إذن نملك قرار المرور.
فكلا المنطقين يضعان القوة فوق القاعدة القانونية.
والنتيجة واحدة:
تحويل الممر الدولي إلى رهينة للصراع.
والمنظمة البحرية الدولية أكدت أن حرية الملاحة مبدأ أساسي في القانون البحري الدولي، كما أعاد مجلس المنظمة التأكيد في أغسطس 2026 على أن حق المرور العابر في المضائق المستخدمة للملاحة الدولية يجب ألا يُهدد أو يُعرقل أو يُنكر أو يُعلّق.
إذن القضية أكبر من واشنطن وطهران.
إنها قضية العالم كله.
ماذا يحدث إذا أصبحت الخرائط ملكاً للأقوياء؟
تخيلوا عالماً تستطيع فيه دولة عظمى أن تقول:
هذا المضيق يحمل اسمي.
وهذا البحر يحمل اسمي.
وهذه المنطقة أصبحت تحت نفوذي.
ثم تستخدم قوتها العسكرية لإجبار الآخرين على التعامل مع التسمية الجديدة.
ماذا يبقى من مفهوم السيادة؟
وماذا يبقى من القانون الدولي؟
وماذا يبقى من الأمم المتحدة؟
وماذا يبقى من فكرة أن الدول، مهما اختلف حجمها وقوتها، تخضع لقواعد مشتركة؟
إذا كان الجواب:
لا شيء.
فنحن لا نتحدث عن (مضيق ترامب).
نحن نتحدث عن نهاية فكرة العالم المنظم بالقواعد.
المشكلة ليست في ترامب وحده:
وهذه نقطة أساسية.
اختزال القضية في شخصية دونالد ترامب يجعلها أصغر مما هي عليه.
ترامب قد يكون الأكثر وضوحاً في التعبير عن هذا النوع من السياسة، لكنه ليس أول من اكتشف أن القوة تستطيع صناعة وقائع جديدة.
المشكلة الأعمق هي في النظام الدولي الذي يسمح للقوة العسكرية والاقتصادية والإعلامية بأن تتحول إلى أدوات لإعادة تعريف الواقع.
ترامب هنا ليس سوى أحد التعبيرات الأكثر صراحة عن هذا التحول.
إنه يقول ما كانت القوى الكبرى تقوله أحياناً بلغة أكثر دبلوماسية:
من يملك القوة يملك مساحة أكبر لكتابة القواعد.
والسؤال الحقيقي هو:
هل نقبل أن تتحول هذه القاعدة إلى قانون؟
من (مضيق هرمز) إلى (مضيق ترامب)
الفرق بين الاسمين ليس مجرد حرفين.
(هرمز) اسم مرتبط بجغرافيا وتاريخ وممر بحري معروف.
أما (ترامب) فهو اسم شخص.
وعندما ينتقل اسم الشخص من السياسة إلى الجغرافيا، فإن الرسالة الرمزية تصبح واضحة:
الشخص يريد أن يظهر باعتباره جزءاً من المكان، لا مجرد صانع قرار بشأنه.
وهنا تصبح الجغرافيا امتداداً للسياسة.
وتصبح الخريطة امتداداً للزعيم.
وتصبح الدولة امتداداً لشخص.
وهذا هو أخطر ما يمكن أن يحدث في السياسة:
أن تتحول المؤسسات والقوانين والجغرافيا إلى انعكاس لإرادة فرد.
ماذا لو نجحت الفكرة؟
قد لا يتغير اسم هرمز في الخرائط الرسمية.
وقد تبقى كل المؤسسات الدولية تستخدم اسم (مضيق هرمز).
لكن القضية ليست في الاسم الرسمي وحده.
القضية في السؤال الذي تطرحه الصورة:
هل يمكن أن تتحول الهيمنة الفعلية إلى شرعية؟
إذا كانت الإجابة نعم، فإن العالم دخل مرحلة مختلفة.
مرحلة يصبح فيها:
الواقع أقوى من القانون.
وحين يصبح الواقع أقوى من القانون، يصبح القانون مجرد وصف لما فعله الأقوياء.
وهنا تكون الكارثة.
العالم لا يحتاج إلى (مضيق ترامب)
العالم يحتاج إلى شيء مختلف تماماً.
يحتاج إلى أن يبقى مضيق هرمز مضيق هرمز.
لا لأنه اسم مقدس.
بل لأن تغيير الأسماء بالقوة ليس هو المشكلة الحقيقية.
المشكلة أن يتحول الاسم إلى مقدمة لفكرة:
أن من يملك القوة يستطيع أن يملك الحق.
وهذه الفكرة إذا انتصرت في هرمز، فلن تبقى في هرمز.
ستنتقل إلى كل ممر استراتيجي.
وكل منطقة متنازع عليها.
وكل جزيرة.
وكل بحر.
وكل حدود.
وكل شعب أضعف من خصمه.
عندها لن تكون الخريطة مرآة للقانون.
ستصبح مرآة للسلاح.
وفي النهاية...
يمكن لترامب أن يكتب (Trump Strait) على صورة.
ويمكن لإيران أن تغلق المضيق أو تفتحه وفق حساباتها السياسية.
ويمكن للولايات المتحدة أن ترسل حاملات الطائرات والأساطيل.
لكن كل ذلك لا يجيب عن السؤال الأساسي:
من يملك الحق في تقرير مصير الممرات الدولية؟
إذا كانت الإجابة:
من يملك القوة العسكرية الأكبر،
فعلينا أن نكون صريحين مع أنفسنا:
لم يعد العالم يعيش في ظل نظام دولي.
إنه يعيش في ظل نظام للقوة يرتدي بدلة القانون الدولي.
أما إذا كان القانون هو المرجع، فإن هرمز يبقى هرمز.
لا (مضيق ترامب).
ولا (مضيق إيران).
ولا مضيق أي قوة أخرى.
لأن البحر لا يصبح ملكاً لمن يرفع فوقه راية.
والجغرافيا لا تصبح ملكاً لمن يكتب اسمه على الخريطة.
والأخطر من أن يعيد الأقوياء تسمية العالم، أن يعتاد العالم أسماءهم الجديدة.
