تشهد المياه الاوروبية تحولات مناخية غير مسبوقة حيث سجلت درجات حرارة سطح البحر مستويات قياسية هي الاعلى منذ بدء عمليات الرصد بالاقمار الصناعية في ثمانينات القرن الماضي. وتظهر البيانات ان متوسط الحرارة تجاوز حاجز 21 درجة مئوية خلال اشهر الصيف مما يعكس تسارعا مقلقا في وتيرة الاحترار البحري وتداعياته المباشرة على النظم البيئية والمجتمعات الساحلية.

واكد علماء ان موجات الحر البحرية اصبحت اكثر تكرارا وشدة واتساعا نتيجة امتصاص المحيطات للحرارة الزائدة الناجمة عن الانبعاثات الغازية. واوضح خبراء ان هذه الظاهرة لم تعد حدثا عابرا بل اصبحت واقعا يوميا يهدد التوازن البيئي في العديد من المناطق الساحلية الاوروبية.

وبين جان بيير غاتوسو الباحث في المركز الوطني للبحث العلمي ان السرعة التي تتحطم بها الارقام القياسية للحرارة تثير دهشة الاوساط العلمية. واشار الى ان هذه التغيرات المتلاحقة تفرض تحديات جسيمة على استدامة الموارد البحرية التي تعتمد عليها دول القارة.

تراجع غابات عشب البحر في خليج بسكاي

وشهد خليج بسكاي ارتفاعا حادا في درجات حرارة المياه متجاوزا المعدلات التاريخية المسجلة خلال العقود الثلاثة الماضية. وساهمت هذه الموجات الحارة في تراجع غابات عشب البحر البني التي تعد حاضنة طبيعية لاعداد هائلة من الكائنات البحرية.

واوضح خوسيه مانويل ريكو اورداس ان نحو 95 بالمئة من تجمعات عشب البحر اختفت في بعض المناطق الساحلية نتيجة الحرارة المرتفعة والرعي الجائر. واضاف ان اختفاء هذه الغابات ادى الى هجرة انواع عديدة مثل جراد البحر وقنافذ البحر مما يهدد بانهيار مهن صيادين توارثوها عبر الاجيال.

وشدد نشطاء وعلماء على اهمية التحرك السريع لاعادة زراعة عشب البحر عبر شتلات مختبرية لمحاولة استعادة النظام البيئي المنهار. وبينوا ان بقاء قطاع الصيد في هذه المنطقة مرهون بمدى نجاح جهود الترميم البيئي والحفاظ على التنوع الحيوي.

تغير المناخ يعيد رسم خريطة الصيد

وكشفت التغيرات المناخية عن ظهور انواع بحرية في مناطق لم تكن تعيش فيها من قبل مما خلق واقعا اقتصاديا جديدا ومربكا للصيادين. واكد مانويل انخيل ريريـث غونثالث ان عائلته التي تعمل في الصيد منذ قرن تواجه الان تهديدا وجوديا بعد تضرر مخزونات المحار وظهور كائنات جنوبية دخيلة.

واشار الى ان تكيف الصيادين مع هذه المعطيات يتطلب مرونة عالية في استخدام المعدات والبحث عن بدائل اقتصادية جديدة. واضاف ان النقابات المهنية تحذر من ان استمرار تدهور الموائل يعني انقراض مهنة الصيد بشكلها التقليدي في العديد من المناطق.

واكد خبراء ان التغير المناخي لم يعد يقتصر على الطبيعة بل بات يمس الامن الغذائي والاقتصادي للمجتمعات الساحلية. وبينوا ان القدرة على التكيف مع هذه التحولات السريعة ستحدد مستقبل قطاع الصيد في اوروبا خلال السنوات القادمة.

ازدهار الاخطبوط جنوب بريطانيا

واظهرت الدراسات البيولوجية ان المياه البريطانية اصبحت بيئة خصبة للاخطبوط الذي استفاد من ارتفاع درجات الحرارة. وارتفعت كميات الصيد بشكل لافت لتتجاوز الاف الاطنان مقارنة بمستويات متدنية جدا قبل عامين فقط.

واوضح برايس ستيوارت من الجمعية البيولوجية البحرية ان التيارات البحرية جلبت يرقات الاخطبوط التي كانت تموت سابقا بفعل برودة المياه. واضاف ان استقرار الحرارة في القنال الانجليزي وفر ظروفا مثالية لتكاثر هذا النوع بشكل مكثف وغير مسبوق.

واكد تجار اسماك ان طفرة الاخطبوط فتحت اسواقا جديدة للتصدير نحو جنوب اوروبا رغم التحديات التي يواجهها الصيادون التقليديون. وبينوا ان هذا النوع يمثل مكسبا لبعض السفن بينما يمثل كارثة بيئية واقتصادية لصيادي المحار والسلطعون الذين خسروا ملايين الجنيهات.

تحديات البحر المتوسط والمنشآت النووية

وكشفت تقارير اكاديمية عن وجود اكثر من الف نوع دخيل في البحر المتوسط دخل معظمها عبر قناة السويس لتنافس الانواع الاصلية. واوضح باحثون ان هذه الانواع تعيد تشكيل السلاسل الغذائية وتفرض ضغوطا اضافية على انشطة الصيد التقليدية.

واضافت تقارير فرنسية ان تأثير هذه التحولات امتد ليشمل البنية التحتية بعدما تسببت تجمعات قناديل البحر في اغلاق مفاعلات نووية بمحطة غرافلين. وشدد مسؤولون على ان انسداد انظمة التبريد بسبب هذه الكائنات اصبح هاجسا تقنيا يتكرر بشكل دوري.

وبين تقرير اخير ان التغيرات البيئية في البحر المتوسط تتطلب استراتيجيات ادارة جديدة للتعامل مع الانواع الغازية وحماية البنى التحتية الحيوية. واكدوا ان التوازن البيئي بات في مهب الريح مع استمرار التغيرات المناخية المتسارعة.

مكاسب مؤقتة وخسائر غير متوازنة

واظهرت التحليلات ان ارتفاع حرارة البحار لا يعني خسارة شاملة بل هو اعادة توزيع للفرص والمخاطر بين المناطق والقطاعات. واوضح مراقبون ان بعض الصيادين استفادوا من ظهور انواع جديدة بينما تضرر اخرون بشكل جسيم نتيجة اختفاء الانواع التقليدية.

واكد خبراء ان قدرة المجتمعات الساحلية على مواجهة هذه الازمات تعتمد على سرعة التكيف التقني والمهني. واضافوا ان استدامة هذه الفرص الجديدة تظل محل شك في ظل عدم استقرار النظم البيئية.

وبينت الدراسات ان سرعة التحولات البيئية تفوق قدرة البشر على التنبؤ بنتائجها طويلة الامد. واكدوا ان خسارة النظم التي دعمت الاقتصاد لقرون قد لا تكون قابلة للتعويض بسهولة حتى لو ظهرت بدائل مؤقتة.