ثلاث حالات مرضية معقدة قدم أصحابها من العراق وسورية وفلسطين إلى مستشفى الجامعة الأردنية، حمل كل منهم مشكلة مختلفة داخل الدماغ: تشوهاً شريانياً وريدياً، وألماً شديداً في العصب الخامس لم يستجب للعلاج، وورماً في قاعدة الجمجمة يهدد وظائف بصرية وعصبية. اختلفت الحالات وخطط التعامل معها، لكنها التقت عند خيار علاجي واحد يعتمد على دقة الأشعة بدلاً من التدخل الجراحي المفتوح: "الجاما نايف".
في وحدة "الجاما نايف"، لا يبدأ العلاج عند تشغيل الجهاز، بل من الملف الطبي للمريض. فموقع الإصابة وحجمها وقربها من الأعصاب والأوعية والأنسجة الحساسة، إلى جانب الحالة الصحية والعلاجات السابقة، تحدد مجتمعة ما إذا كانت الجراحة الإشعاعية هي الخيار المناسب، أم أن المريض يحتاج إلى جراحة مفتوحة أو قسطرة أو علاج دوائي.
ويقول أستاذ جراحة الأورام الدماغية والعلاج بالأشعة المصوبة، رئيس وحدة "الجاما نايف" في مستشفى الجامعة الأردنية، الدكتور عبد الرحمن شديفات لـخبرني، إن الحالات الثلاث الأخيرة خضعت لخطط علاجية فردية دقيقة، أعدها فريق متخصص يضم جراحي أعصاب وفيزيائيين طبيين وكوادر تمريضية، وفق طبيعة كل إصابة وموقعها والتراكيب الحساسة المحيطة بها.
192 حزمة أشعة نحو هدف واحد
تقوم تقنية "الجاما نايف" على تركيز الأشعة بدرجة عالية من الدقة على منطقة محددة، بحيث يتلقى الهدف الجرعة العلاجية المطلوبة، مع تقليل تعرض الأنسجة السليمة المحيطة قدر الإمكان. وتبرز أهمية ذلك خصوصاً عندما تكون الإصابة قريبة من مسار بصري أو عصب مهم أو وعاء دموي، أو عندما يكون الوصول إليها جراحياً مصحوباً بمخاطر مرتفعة.
ويعمل مستشفى الجامعة الأردنية بجهاز "Leksell Gamma Knife Icon"، الذي يوجه 192 حزمة من أشعة غاما من اتجاهات مختلفة نحو المنطقة المحددة في الخطة العلاجية. وتضم المنظومة أنظمة للتصوير ومراقبة حركة الرأس أثناء الجلسة، فيما يمكن تثبيت رأس المريض بإطار تجسيمي أو استخدام قناع حراري في بعض الحالات، وفق طبيعة العلاج وطريقة تقسيم الجرعة.
لكن الجزء الأكبر من العمل، بحسب شديفات، يسبق توجيه الأشعة. إذ يراجع الفريق صور الرنين المغناطيسي أو التصوير المقطعي، ويحدد جراح الأعصاب حدود الإصابة وعلاقتها بالأعصاب والأوعية والمناطق المجاورة، قبل أن يتولى الفيزيائي الطبي حساب الجرعة وتوزيعها واختبار الخطة.
وقد تحتاج بعض الحالات إلى إجراءات إضافية قبل العلاج. ففي التشوهات الشريانية الوريدية، على سبيل المثال، قد تكون هناك حاجة إلى قسطرة دماغية لرسم شبكة الأوعية بدقة.
طفلة تغادر المستشفى في اليوم نفسه
ومن الحالات التي تعاملت معها الوحدة طفلة تبلغ من العمر 13 عاماً، كانت تعاني تشوهاً شريانياً وريدياً في الدماغ. وخضعت الطفلة للتخدير العام، ثم لقسطرة شريانية قبل الانتقال إلى مراحل التصوير والتخطيط والعلاج بـ"الجاما نايف".
واستغرقت المراحل مجتمعة ما بين ست وسبع ساعات، إلا أن الطفلة غادرت المستشفى إلى منزلها في اليوم نفسه.
ولا يمثل التخدير العام المسار المعتاد لمعظم المرضى، إذ قدّر شديفات نسبة من احتاجوا إليه بأقل من 5%، وتركزت بصورة رئيسية بين الأطفال والمرضى الذين يصعب عليهم البقاء ثابتين. وفي الحالات الأخرى، يبقى المريض مستيقظاً ويمكن التواصل معه خلال الجلسة.
أورام تتراجع ومواقع شديدة الحساسية
وتكشف متابعة بعض الحالات عن طبيعة النتائج التي ترصدها الوحدة بعد العلاج. ففي إحدى الحالات، أظهرت صور مريضة تعاني ورماً دماغياً حميداً انخفاض حجم الورم بنحو 40% بعد ستة أشهر، مع استمرار المتابعة بعد 12 و18 و24 شهراً.
وفي حالة أخرى، تعامل الفريق مع مريض لديه ثلاثة أورام ثانوية داخل الدماغ، ووضع خطة لاستهداف الأورام الثلاثة خلال جلسة واحدة بعد دراسة مواقعها وأحجامها.
كما تابعت الوحدة حالة مريضة تبلغ 45 عاماً لديها ورم في العصب القحفي الثامن، انخفض قياسه بعد عام من نحو 1.5 في 1 سنتيمتر إلى 1.2 في 0.9 سنتيمتر. وتعاملت كذلك مع أورام في الجناح الوتدي والجيب الكهفي وقاعدة الجمجمة، وهي مواقع تجعل العلاقة بين الورم والأعصاب والأوعية عنصراً أساسياً في التخطيط للعلاج.
ولا تقتصر استخدامات الجراحة الإشعاعية على الأورام والتشوهات الوعائية، إذ استُخدمت في بعض حالات ألم العصب الخامس، كما دُرست لحالات مختارة من الاضطرابات العصبية الوظيفية، ومنها الرعاش والحركات اللاإرادية، بعد تقييم مدى ملاءمة كل حالة.
ويشدد شديفات على أن وجود ورم أو مشكلة داخل الدماغ لا يعني تلقائياً أن المريض مرشح للعلاج بـ"الجاما نايف"، إذ يعتمد القرار على طبيعة المرض وموقعه والمعايير الطبية المستخدمة لتحديد الحالات المناسبة، بينما تظل الجراحة التقليدية أو القسطرة أو العلاج الدوائي خيارات أفضل في حالات أخرى.
من اتفاقية في 2018 إلى استقبال مرضى المنطقة
تعود قصة إنشاء الوحدة إلى أغسطس/ آب 2018، عندما وقع مستشفى الجامعة الأردنية اتفاقية لتوفير جهاز "الجاما نايف" من شركة "Elekta" السويدية. وبعد نحو ثلاث سنوات من العمل على المشروع، وصل الجهاز إلى المستشفى في يناير/ كانون الثاني 2021، وتولى فريق سويدي أعمال التركيب والمعايرة.
وبالتوازي مع ذلك، بدأ المستشفى مراجعة ملفات المرضى المرشحين للعلاج وتشكيل لجنة تضم مختصين وممثلين عن مؤسسات صحية في القطاع العام. ومع بدء عمل الوحدة، أخذ مرضى من المنطقة العربية بالوصول إلى المستشفى، بالتزامن مع التواصل مع مراكز متخصصة في السويد والولايات المتحدة والمشاركة في مؤتمرات علمية متعلقة بالجراحة الإشعاعية.
ويصف المدير العام لمستشفى الجامعة الأردنية الدكتور نادر البصول الوحدة بأنها الوحيدة من نوعها في مستشفيات القطاع العام في المملكة، مشيراً إلى أن وجودها داخل مستشفى جامعي يتيح التعامل مع الحالات من خلال فريق متعدد التخصصات، تتداخل فيه جراحة الأعصاب والفيزياء الطبية والتصوير والتخدير والقسطرة والتمريض وفق متطلبات كل حالة.
ولا يقتصر دور الوحدة على الجانب العلاجي، بل يمتد إلى التعليم والتدريب السريري والبحث العلمي وتبادل الخبرات وتنظيم الأنشطة العلمية في مجال الجراحة الإشعاعية. كما تشمل أبحاثها تطبيقات حديثة، من بينها استخدام الذكاء الاصطناعي والتعلم الآلي في تحليل صور بعض أورام الدماغ، وقياس أحجامها، ودراسة الاستجابة للعلاج والمضاعفات المحتملة.
وبين الأشعة والجراحة والقسطرة والعلاج الدوائي، يبقى القرار في النهاية مرتبطاً بالمريض نفسه؛ فـ"الجاما نايف" ليست بديلاً تلقائياً للجراحة، وإنما أداة علاجية دقيقة تضاف إلى الخيارات المتاحة أمام الفريق الطبي، ويحدد موقع الإصابة وطبيعتها والمخاطر المحيطة بها متى يكون استخدامها هو الخيار الأنسب.