اثارت تقارير حديثة للوكالة الدولية لابحاث السرطان موجة من الجدل والقلق بين الكثير من النساء بعد تصنيف حبوب منع الحمل المركبة ضمن فئة العوامل المسببة للسرطان. وجرى تداول هذه المعلومات عبر منصات التواصل الاجتماعي بطريقة اوحت للبعض بان تناول هذه الاقراص يؤدي بشكل مباشر وحتمي الى الاصابة بالاورام، مما دفع العديد من المستخدمات الى التفكير في التوقف المفاجئ عن تناولها دون استشارة طبية.
واظهرت التقديرات العلمية ان الصورة اكثر تعقيدا بكثير مما يتم تصويره في المنشورات العامة. وبينت الدراسات ان تصنيف الوكالة يهدف الى التوعية بالمخاطر المحتملة المرتبطة ببعض العوامل الهرمونية، لكنه لا يعني ان الحبوب بحد ذاتها هي مسبب مباشر وشامل للسرطان لكل من تستخدمها.
واكد الخبراء ان هذا التصنيف ياتي في اطار مراجعة علمية شاملة للاثار الجانبية المحتملة، مشيرين الى ان فهم طبيعة هذه التصنيفات يتطلب الرجوع الى المختصين لتقييم الحالة الصحية الفردية لكل امراة بعيدا عن التفسيرات السطحية التي تثير الذعر.
ما وراء تصنيف منظمة الصحة العالمية
وكشفت التقارير الصادرة عن الوكالة الدولية لابحاث السرطان ان ادراج موانع الحمل المركبة ضمن المجموعة الاولى من العوامل المسببة للسرطان يستند الى ارتباطها بزيادة طفيفة في احتمالية الاصابة ببعض انواع الاورام مثل سرطان الثدي وعنق الرحم. واضافت الوكالة ان هذا التقييم لا يغطي كافة العوامل الفردية مثل التاريخ الوراثي او الحالة الصحية العامة او النمط الغذائي الذي يلعب دورا محوريا في تحديد المخاطر.
وبينت الابحاث ان القضية تعود الى سنوات طويلة من الدراسات التي قارنت بين مستخدمات هذه الوسائل وغيرهن. واوضحت ان التقرير لا يحدد احتمالية اصابة كل امراة على حدة، بل يضع اطارا عاما لمراقبة الاثار الصحية طويلة الامد لاستخدام الهرمونات.
وشدد الاطباء على ان المعلومة الطبية لا يمكن اختزالها في عنوان عريض. واكدوا ان التوعية يجب ان تركز على كيفية اتخاذ القرار المناسب لكل حالة بدلا من تعميم المخاوف دون فهم دقيق للارقام والنسب العلمية المتعلقة بطبيعة الاستخدام.
التوازن بين المخاطر والفوائد الصحية
وذكرت الدراسات ان حبوب منع الحمل الهرمونية تقدم فوائد صحية ملموسة تتجاوز مجرد منع الحمل. واوضحت ان هذه الوسائل تساهم بشكل فعال في تقليل خطر الاصابة بسرطان المبيض وبطانة الرحم، وهي انواع قد تكون اكثر خطورة في حال حدوثها.
واضافت البيانات ان التأثير الوقائي لهذه الحبوب يزداد مع طول فترة الاستخدام. وبينت ان الكثير من النساء يستفدن ايضا من تقليل الام الدورة الشهرية والحد من اعراض تكيس المبايض وفقر الدم الناتج عن النزيف الحاد.
واكدت منظمة الصحة العالمية ان العلاقة مع السرطان متناقضة، حيث توفر الحبوب حماية من انواع معينة بينما قد تزيد من خطر انواع اخرى، وهذا ما يجعل القرار الطبي الفردي هو الفيصل في اختيار الوسيلة الانسب لكل امراة.
ماذا تقول لغة الارقام والبيانات الطبية
وكشف تحليل بيانات المعهد الوطني الامريكي للسرطان ان الزيادة في خطر الاصابة بسرطان الثدي بين مستخدمات الحبوب تعد طفيفة جدا. واظهرت النتائج ان الخطر ينخفض تدريجيا بعد التوقف عن تناول الحبوب، ولا يظهر اي ارتفاع ملموس بعد مرور عشر سنوات على التوقف.
وبينت الدراسات ان النساء اللواتي استخدمن الحبوب في الماضي اظهرن انخفاضا ملحوظا في خطر الاصابة بسرطان بطانة الرحم بنسبة تصل الى ثلاثين بالمئة. واوضحت ان هذا التأثير الوقائي يستمر لسنوات طويلة بعد التوقف عن الاستخدام، مما يعكس الجانب الايجابي الذي غالبا ما يتم تجاهله في النقاشات العامة.
وشدد الباحثون على ان الموازنة بين هذه النسب هي ما يفعله الطبيب عند تقديم المشورة. واكدوا ان الفوائد الوقائية من بعض انواع السرطان تقابلها مخاطر محتملة، وهو ما يستلزم تقييما دقيقا للتاريخ العائلي والشخصي للمريضة.
القرار الطبي مسؤولية مشتركة
واوضح المختصون ان التوقف الجماعي عن استخدام وسائل منع الحمل بسبب منشورات التواصل الاجتماعي يحمل مخاطر صحية اكبر. واضافوا ان الحمل غير المخطط له قد يشكل خطرا اكبر على صحة الام مقارنة بالمخاطر المترتبة على استخدام الوسائل الهرمونية بانتظام.
وبينت الممارسات الطبية ان هناك بدائل متنوعة لكل امراة. واكدوا ان مهمة الطبيب هي تزويد المريضة بالمعلومات الكاملة لتمكينها من اختيار ما يناسب ظروفها الصحية والاجتماعية والمهنية.
واشار الخبراء الى ان الوعي الصحي يتطلب الابتعاد عن التهويل. وشددوا على ان التوجه الى العيادات المختصة هو الطريق الوحيد لضمان استخدام وسائل منع الحمل بشكل امن وفعال دون الوقوع فريسة للمعلومات المضللة.
