بقلم: نبيل إبراهيم حداد
لم يكن الاعتداء الإرهابي الذي استهدف المشيعين في كنيسة حمود بمحافظة الكرك يوم الجمعة 23 تشرين الأول 2026 مجرد جريمة بحق مواطنين أبرياء اجتمعوا لتوديع أحد أحبائهم، بل كان اعتداءً على حرمة الحياة الإنسانية، وعلى أمن الأردن واستقراره، وعلى القيم التي جمعت أبناء الوطن عبر أجيال طويلة.
لقد أصابت هذه الجريمة الكرك وأهلها، لكنها أصابت الأردن كله. فالضحايا هم أبناء الكرك، وأبناء وطننا، ولا يحتاج انتماؤهم إلى أي تعريف آخر. كانوا يمارسون حقهم الطبيعي في أداء واجب إنساني واجتماعي، وفي مكان يفترض أن تحيطه السكينة والطمأنينة.
وإذ نتقدم بخالص العزاء إلى عائلات الضحايا وأهلنا في الكرك، ونتمنى الشفاء العاجل للمصابين، فإن هذه المأساة تستدعي ما هو أبعد من الحزن والغضب والإدانة. إنها تتطلب موقفاً وطنياً عقلانياً يسعى إلى كشف الحقيقة، وفهم أسباب الجريمة، ومحاسبة مرتكبيها، واتخاذ الإجراءات التي تمنع تكرارها.
فالإرهاب لا يُواجه بالغضب وحده، وإنما بالعدالة وسيادة القانون، وبالفكر الواعي، وبمؤسسات قادرة على الوقاية من المخاطر قبل وقوعها.
الكرك أكبر من الجريمة
للكرك مكانة راسخة في التاريخ الوطني الأردني، فهي أرض عرفت معنى التضامن والشجاعة والكرامة، وأسهم أبناؤها في بناء الدولة والدفاع عنها، وصياغة جانب مهم من تاريخها السياسي والاجتماعي.
ولم تكن قوة الكرك في مواقفها التاريخية وحدها، وإنما في نسيجها الاجتماعي الذي تشكل عبر قرون من الجيرة والقرابة والتعاون والمصير المشترك.
لقد عرف أبناء الكرك بعضهم بعضاً باعتبارهم أبناء أرض واحدة، يشتركون في الأفراح والأحزان، وفي المسؤولية تجاه منطقتهم ووطنهم. وهذه حقيقة اجتماعية عميقة لا تستطيع جريمة، مهما بلغت بشاعتها، أن تلغيها.
ولهذا فإن الاعتداء على أبناء حمود ليس شأناً محلياً يخص بلدة أو مجموعة من العائلات، بل قضية وطنية تمس حق كل أردني في الأمن والحياة والكرامة.
ولا يجوز أن نسمح للمجرمين بأن يحققوا نتيجة أخرى لجريمتهم، تتمثل في نشر الخوف أو الشك بين أبناء المجتمع.
لا تبرير للجريمة ولا استباق للتحقيقات
إن استهداف مواطنين أثناء تشييع جنازة يمثل انتهاكاً صارخاً لأبسط القيم الإنسانية. ولا يمكن لأي مبرر فكري أو سياسي أو اجتماعي أن يمنح أحداً الحق في قتل الأبرياء.
لكن بشاعة الجريمة لا تعفينا من الالتزام بالموضوعية والدقة.
فمن الضروري التمييز بين ما ثبت وقوعه وبين ما لا تزال التحقيقات تبحث فيه. ولا يجوز أن تتحول الشائعات أو الانطباعات الأولية إلى اتهامات قاطعة، أو أن تُنسب الجريمة إلى جهة محددة دون أدلة.
إن المسؤولية تقع على مرتكبي الجريمة وكل من يثبت اشتراكه في التخطيط أو التحريض أو التمويل أو التنفيذ، وليس على أي مجموعة اجتماعية لا علاقة لها بما حدث.
ومن حق عائلات الضحايا، ومن حق الأردنيين جميعاً، معرفة الحقيقة كاملة، بما في ذلك دوافع الاعتداء، وكيفية التخطيط له، والجهات التي قد تكون ساعدت على تنفيذه، إن وجدت.
فالعدالة لا تتحقق بإلقاء القبض على الجناة وحده، وإنما بكشف الوقائع ومحاسبة جميع المسؤولين وفق القانون.
كيف ينشأ التطرف في مجتمعنا؟
ينبغي ألا يتوقف اهتمامنا عند معرفة هوية مرتكبي الجريمة، بل أن يمتد إلى السؤال الأكثر أهمية: كيف يصل إنسان إلى مرحلة يرى فيها قتل الأبرياء وسيلة مقبولة لتحقيق أهدافه؟
إن التطرف العنيف ظاهرة معقدة، لا يمكن تفسيرها بعامل واحد، ولا يجوز اختزالها في الفقر أو البطالة أو ضعف التعليم.
فالتجارب تشير إلى أن التطرف قد ينشأ في بيئات اجتماعية واقتصادية وتعليمية مختلفة. وقد تسهم فيه عوامل فكرية ونفسية وتنظيمية، إلى جانب تأثير جماعات التحريض وشبكات التواصل التي تروج للكراهية وتبرر العنف.
ولذلك، فإن التعامل معه يحتاج إلى منهج علمي يتجاوز التفسيرات الجاهزة.
وعلينا أن نراجع كيفية تنشئة الأجيال على احترام الإنسان، وكيفية تعليمهم التفكير النقدي، والتعامل مع الاختلاف دون تعصب، والتمييز بين التعبير عن الرأي والتحريض على الاعتداء.
إن حرية التفكير والنقاش ليست خطراً على المجتمع، وإنما وسيلة مهمة لحمايته من الأفكار المتطرفة. فالفكرة المنحرفة ينبغي أن تواجه بالحجة والمعرفة، أما الجريمة والتحريض على العنف فيواجهان بالقانون.
المسؤولية الأمنية والمساءلة المؤسسية
تقع حماية المواطنين وممتلكاتهم وأماكن تجمعهم ضمن المسؤوليات الأساسية للدولة، ولا شك في أن الأجهزة الأمنية مطالبة بملاحقة مرتكبي الاعتداء وتقديمهم إلى العدالة.
لكن دعم المؤسسات الأمنية لا يتعارض مع المطالبة بمراجعة مهنية وموضوعية للظروف التي أحاطت بالجريمة.
فبعد اكتمال التحقيقات، ينبغي تقييم ما إذا كانت هناك مؤشرات سابقة على وجود تهديد، وكيف جرى التعامل معها، ومدى كفاءة تبادل المعلومات بين الجهات المختصة، وجاهزية الاستجابة الأمنية والطبية للطوارئ.
ولا تعني هذه المراجعة افتراض وجود تقصير مسبق أو توجيه اتهامات دون دليل، بل تعني تطوير الأداء المؤسسي والاستفادة من التجارب.
ومن منظور الإدارة العامة وإدارة المخاطر، فإن المؤسسات الناجحة لا تكتفي بالاستجابة للحوادث بعد وقوعها، وإنما تعمل باستمرار على تحديد المخاطر، وتحليل احتمالاتها وآثارها، ووضع الإجراءات الوقائية المناسبة.
ولا يقاس نجاح المنظومة الأمنية بعدد الإجراءات المعلنة، بل بقدرتها على حماية المواطنين وتعزيز ثقتهم بالدولة.
والأهم أن تجري هذه المراجعة ضمن إطار القانون، مع المحافظة على الحقوق الدستورية والحريات العامة، لأن حماية الأمن لا ينبغي أن تصبح مبرراً لتقييد حقوق المواطنين بصورة غير ضرورية.
المواطنة هي أساس الوحدة الوطنية
إن إحدى أهم الرسائل التي يجب أن تخرج من مأساة حمود هي أن الأردنيين متساوون في حقوقهم وواجباتهم، وأن كرامة المواطن وحياته لا ترتبطان بأي تصنيف آخر غير مواطنته وإنسانيته.
فالدولة لا تحمي أبناءها باعتبارهم مجموعات منفصلة، وإنما تحميهم بوصفهم مواطنين يتمتعون بالحقوق نفسها، وتربطهم بها علاقة دستورية وقانونية واحدة.
ومن هنا فإن الحديث عن الوحدة الوطنية ينبغي ألا يقتصر على العبارات التي نرددها في المناسبات والأزمات، بل أن ينعكس في التشريعات والسياسات العامة والتعليم والإدارة والقضاء والممارسات اليومية.
فالوحدة الوطنية الحقيقية تقوم على العدالة والمساواة وتكافؤ الفرص واحترام الإنسان، وعلى شعور كل مواطن بأن الدولة تمثله وتحميه دون تمييز.
ولا نحتاج إلى البحث عن أسباب إضافية للتضامن مع ضحايا حمود. يكفي أنهم أبناء وطننا، وأن حياتهم وكرامتهم تستحقان الحماية ذاتها التي يستحقها كل أردني.
من الإدانة إلى برنامج وطني للوقاية
إن الاكتفاء بردود الفعل العاطفية، مهما كانت صادقة، لن يكون كافياً إذا أردنا أن نستخلص من هذه المأساة دروساً تمنع تكرارها.
والمطلوب تطوير برنامج وطني متكامل يقوم على الوقاية والعدالة والمسؤولية المؤسسية.
ويبدأ ذلك من مراجعة المناهج التعليمية لتعزيز التفكير العقلاني وقيم المواطنة واحترام الحياة الإنسانية، وتطوير البرامج الموجهة للشباب، وتوسيع مساحة الحوار الفكري والثقافي، وتعزيز دور الجامعات ومراكز البحث في دراسة أسباب التطرف.
كما ينبغي تطوير آليات واضحة للتعامل مع التهديدات والتحريض على العنف، وتشجيع المواطنين على الإبلاغ عنها، مع توفير الضمانات القانونية التي تمنع إساءة استخدام هذه الآليات.
وللإعلام دور مهم في هذه المنظومة، من خلال الالتزام بالمعلومات الدقيقة، والامتناع عن نشر الشائعات أو الصور التي تمس كرامة الضحايا، وعدم منح مرتكبي الجرائم مساحة دعائية قد تخدم أهدافهم.
ومن الضروري أيضاً ألا تغيب عن اهتمامنا عائلات الضحايا والمصابون، الذين يحتاجون إلى رعاية طبية ونفسية واجتماعية ومساندة مستمرة، لا إلى تضامن عابر ينتهي بانتهاء مراسم العزاء.
إن مسؤولية الدولة والمجتمع تجاه هؤلاء لا تنتهي بإتمام التحقيقات، بل تستمر في ضمان حقوقهم وتخفيف آثار المأساة عليهم.
من المسؤولية السياسية إلى النتائج العملية
إن مواجهة الإرهاب ليست مسؤولية الأجهزة الأمنية وحدها، وإنما هي مسؤولية وطنية تشترك فيها مؤسسات الدولة والمجتمع.
ولذلك ينبغي التعامل مع هذه الجريمة بوصفها مناسبة لمراجعة منظومة الوقاية من العنف والتطرف، وتحديد الإجراءات القابلة للتنفيذ، والجهات المسؤولة عنها، والمدة الزمنية المطلوبة لإنجازها.
ولا يكفي الإعلان عن تشكيل لجان أو عقد اجتماعات أو إطلاق مبادرات عامة.
فالإصلاح المؤسسي الحقيقي يتطلب نتائج قابلة للقياس، ومتابعة مستمرة، ومساءلة واضحة عن التنفيذ.
ومن المفيد أن تنشر الجهات المختصة، عندما تسمح متطلبات التحقيق، خلاصة موثوقة لما توصلت إليه، والإجراءات التي اتخذتها لمعالجة أي ثغرات تثبت وجودها.
فالمعلومات الدقيقة تعزز الثقة العامة، وتحد من الشائعات، وتؤكد أن الدولة تتعامل مع أمن المواطن بوصفه مسؤولية مستمرة لا مجرد استجابة ظرفية.
الكرك لا تحتاج إلى إثبات وحدتها
لقد عرفت الكرك عبر تاريخها معنى التلاحم بين أبنائها، ولا تحتاج اليوم إلى تقديم شهادة جديدة على وحدة مجتمعها.
لكن هذه الحقيقة لا تعني تجاهل المخاطر أو الاكتفاء بالاعتماد على قوة العلاقات الاجتماعية التقليدية.
فالتحولات الاقتصادية والاجتماعية والتكنولوجية تفرض تحديات جديدة على مختلف المجتمعات، وتتطلب أدوات حديثة للتعامل معها.
ومن هنا فإن الحفاظ على تماسك الكرك، كما هو الحال في سائر محافظات الوطن، يحتاج إلى مؤسسات قوية، وتعليم جيد، وفرص عادلة للشباب، وقانون يحمي الجميع.
ولا يجوز أن تتحول الجريمة إلى سبب لعزل أبناء حمود عن محيطهم أو التعامل معهم باعتبارهم جماعة مختلفة. إنهم أبناء الكرك، ومصابهم مصاب أهلها جميعاً، وأمنهم جزء من أمن الوطن.
وإذا كان المجرمون قد أرادوا نشر الخوف، فإن الرد الأهم هو استمرار الحياة الطبيعية، وترسيخ الثقة والطمأنينة، وتأكيد أن المجتمع لن يسمح للعنف بأن يحدد علاقات أبنائه.
كلمة أخيرة
إن الدم الذي سُفك في حمود هو دم أردني، والوجع الذي أصاب عائلات الضحايا هو وجع الوطن كله.
ولا ينبغي أن نسمح للحزن بأن يحجب عنا واجب التفكير العقلاني، أو للغضب بأن يدفعنا إلى التسرع في الاتهامات، أو للخوف بأن يضعف ثقتنا ببعضنا.
إننا نطالب بكشف الحقيقة كاملة، وبمحاكمة المسؤولين عن الجريمة وفق القانون، وبمراجعة كل ما يمكن أن يساعد على منع تكرار مثل هذا الاعتداء.
ونطالب كذلك بأن تكون حماية حياة المواطن وكرامته وحقوقه هي المعيار الأساسي لقياس نجاح المؤسسات والسياسات العامة.
فالضحايا ليسوا أرقاماً في بيان أمني، بل هم أبناء عائلات أردنية فقدت أحباءها، وأبناء مدينة ومحافظة ووطن يستحقون الأمن والعدالة والطمأنينة.
وإذا أردنا أن نكرم ذكراهم، فلا يكفي أن نحزن عليهم، بل علينا أن نعمل من أجل وطن لا يخاف فيه الإنسان من ممارسة حياته الطبيعية، ولا يخشى فيه المواطن على أمنه بسبب أفكاره أو معتقداته، ولا يستطيع فيه التطرف أن يجد مبرراً للاعتداء على الآخرين.
لقد أصابت الجريمة أبناء الكرك، لكنها جرحت وجدان الأردن كله.
وأفضل وفاء لضحايا حمود أن تظل الكرك كما عرفناها: أرضاً تجمع أبناءها، وأن يظل الأردن وطناً يحمي جميع أبنائه بالقانون والعدل، وأن تكون هذه المأساة دافعاً إلى مزيد من المسؤولية والإصلاح، لا سبباً للانقسام والخوف.
فرصاص المجرمين قد يسلب الإنسان حياته، لكنه لا ينبغي أن يسلب الوطن وحدته، ولا المجتمع إنسانيته، ولا الدولة مسؤوليتها عن حماية أبنائها.
