بقلم م نبيل إبراهيم حداد
كاتب وباحث
من الوعود السياسية إلى النتائج
كيف يمكن أن تسهم مبادئ الإدارة الاستراتيجية وإدارة المشاريع في تحسين الأداء الحكومي وتعزيز المساءلة السياسية؟
قد تبدو السياسة وإدارة المشاريع مجالين مختلفين تماماً؛ فالسياسة تتعلق بالسلطة والقرارات العامة والمصالح الوطنية، بينما تهتم إدارة المشاريع بالتخطيط وتخصيص الموارد وإدارة المخاطر والتنفيذ وتحقيق الأهداف. لكن عند دراسة أسباب نجاح الحكومات أو إخفاقها، نجد أن العلاقة بين المجالين وثيقة إلى حد كبير.
فكما أن الفوز بعقد لتنفيذ مشروع إنشائي لا يضمن إنجازه بنجاح، فإن الوصول إلى السلطة السياسية لا يضمن نجاح الحكومة في تحقيق تطلعات المواطنين.
إن الاختبار الحقيقي للقيادة السياسية ليس قدرتها على الوصول إلى السلطة، وإنما قدرتها على تحويل هذه السلطة إلى نتائج ملموسة تحسن حياة الناس.
وهنا يمكن أن تقدم إدارة المشاريع دروساً مهمة للعمل السياسي، دون أن يعني ذلك اختزال السياسة في مجرد عملية إدارية أو تجاهل خصوصيتها الديمقراطية.
أولاً: الحكومة بلا استراتيجية كمشروع بلا خطة
يبدأ كل مشروع ناجح بتحديد أهدافه ونطاق عمله وتكلفته والمدة اللازمة لتنفيذه والموارد المطلوبة لإنجازه. وينبغي أن تعمل الحكومات بالمنهجية نفسها.
لكن البرامج الحكومية كثيراً ما تتضمن عناوين عامة، مثل خفض البطالة، وتحسين التعليم، وجذب الاستثمار، ومكافحة الفساد، وتطوير الخدمات العامة. وهي أهداف مهمة، لكنها لا تشكل بحد ذاتها استراتيجية قابلة للتنفيذ.
فالاستراتيجية الحقيقية تتطلب تحديد الأولويات، وتوزيع المسؤوليات، وتخصيص الموارد، ووضع الجداول الزمنية، واعتماد مؤشرات واضحة لقياس النتائج.
فخفض البطالة، مثلاً، ليس وعداً يمكن تحقيقه بقرار منفرد، بل يتطلب تكاملاً بين التعليم والتدريب المهني والاستثمار والتنمية الصناعية والسياسات الاقتصادية.
ولا يكفي أن تحدد الحكومة نسبة البطالة التي ترغب في الوصول إليها، بل عليها أن توضح البرامج التي ستنفذها، والموارد التي ستخصصها، والجهات المسؤولة عن التنفيذ، والنتائج المتوقعة خلال فترة محددة.
وهذا هو الفرق بين إعلان النوايا وإعداد خطة تنفيذية متكاملة.
ثانياً: الفرق بين النشاط الحكومي والإنجاز الحقيقي
من المبادئ الأساسية لإدارة المشاريع التمييز بين الأنشطة والمخرجات والمنافع.
فإنشاء مستشفى جديد يمثل مخرجاً لمشروع إنشائي، أما توفير خدمات صحية أفضل للمواطنين فهو المنفعة التي تبرر الاستثمار. وبالمثل، فإن إنشاء مراكز للتدريب المهني لا يمثل نجاحاً كاملاً ما لم يؤدِّ إلى تطوير مهارات المتدربين وتحسين فرص حصولهم على العمل.
وكثيراً ما تعلن الحكومات عن عدد الاجتماعات واللجان والمؤتمرات والمشاريع التي بدأت بتنفيذها، وكأن هذه الأنشطة إنجازات بحد ذاتها.
لكن السؤال الحقيقي يجب أن يكون: ماذا تغير في حياة المواطنين نتيجة لهذه الأنشطة؟
هل تحسنت الخدمات؟ وهل انخفضت البطالة؟ وهل أصبحت الإجراءات الحكومية أسرع؟ وهل ارتفعت الإنتاجية؟ وهل تحسن مستوى معيشة الناس؟
إن إنفاق الأموال وتنفيذ الأنشطة لا يعنيان بالضرورة تحقيق التنمية. فالنجاح الحكومي يجب أن يُقاس بالمنافع المتحققة، لا بحجم الإنفاق أو عدد المبادرات المعلنة.
ثالثاً: الوزراء بين الكفاءة المهنية والاعتبارات السياسية
في المشاريع الهندسية الكبرى، لا يمكن تعيين مدير للهندسة أو التنفيذ أو الشؤون المالية لمجرد ولائه الشخصي أو نفوذه داخل المؤسسة. فكل موقع يتطلب كفاءات تتناسب مع مسؤولياته.
فلماذا ينبغي أن تكون الحكومة مختلفة؟
من الطبيعي أن تدخل الاعتبارات السياسية في تشكيل الحكومات، وأن تشارك الأحزاب السياسية في السلطة التنفيذية. بل إن هذه المشاركة تشكل جزءاً مهماً من تطور الحياة الديمقراطية.
لكن التمثيل السياسي يجب ألا يكون بديلاً عن الكفاءة المهنية والقيادية.
ولا يعني ذلك أن يكون الوزير خبيراً فنياً في جميع تفاصيل عمل وزارته، وإنما أن يمتلك القدرة على قيادة المختصين، وفهم السياسات العامة، وتقييم البدائل، واتخاذ القرارات، وتحمل المسؤولية عن النتائج.
وينطبق المبدأ نفسه على الرقابة البرلمانية.
فبدلاً من المطالبة بإجراء تعديل وزاري لمجرد مرور فترة زمنية على تشكيل الحكومة، ينبغي للبرلمان تحديد الوزارات التي تعاني من ضعف الأداء، وتشخيص أسبابه، والمطالبة بإجراءات تصحيحية.
ففي إدارة المشاريع، نادراً ما يؤدي تغيير مدير المشروع دون معالجة أسباب التعثر إلى تحسين النتائج.
والأمر نفسه ينطبق على تغيير الوزراء.
رابعاً: إدارة المخاطر بدلاً من إدارة الأزمات
يدرك مدير المشروع الناجح أن المخاطر يجب تحديدها وتحليلها قبل تحولها إلى أزمات.
أما الحكومات فتواجه مخاطر أكثر تعقيداً، تشمل الدين العام، والبطالة، وشح الموارد، والتغيرات الاقتصادية، والتوترات الإقليمية، والضغوط الاجتماعية.
وفي الأردن، لا يمكن اعتبار شح المياه أو ارتفاع الدين العام أو محدودية فرص العمل مشكلات مفاجئة. فهي تحديات هيكلية معروفة تتطلب استراتيجيات طويلة الأمد.
فشح المياه يحتاج إلى استثمارات مستمرة وإدارة فعالة للموارد والبنية التحتية، بينما تتطلب معالجة الدين العام سياسات متكاملة تربط النمو الاقتصادي بالإنفاق والإيرادات الحكومية.
إن الحكومة التي تنشغل بصورة دائمة بمعالجة الأزمات دون التصدي لأسبابها الجذرية تشبه مقاولاً يقضي وقته في معالجة الأعطال الطارئة، بينما يهمل البرنامج التنفيذي الأصلي للمشروع.
والقيادة الناجحة لا تكتفي بالتعامل مع المشكلات بعد وقوعها، بل تستعد لها وتعمل على الحد من احتمالات حدوثها وآثارها.
خامساً: البيروقراطية وإعادة هندسة العمليات
غالباً ما تعتقد الحكومات أن إصلاح الإدارة العامة يتطلب إنشاء مؤسسات جديدة أو إصدار المزيد من التعليمات والأنظمة.
لكن منهجية إعادة هندسة العمليات الإدارية (Business Process Re-engineering) تقدم معالجة مختلفة تبدأ بمراجعة الإجراءات القائمة والتساؤل عن ضرورتها.
لماذا يحتاج ترخيص استثماري إلى عدد كبير من الموافقات؟ ولماذا يُطلب من المواطن تقديم معلومات موجودة لدى مؤسسات حكومية أخرى؟ ولماذا تتداخل الصلاحيات بين الوزارات والدوائر الرسمية؟
هذه ليست مجرد مشكلات إدارية بسيطة، بل مؤشرات على ضعف تصميم العمليات.
وحتى التحول الرقمي قد يفشل في تحقيق أهدافه إذا اقتصر على تحويل الإجراءات البيروقراطية المعقدة إلى إجراءات إلكترونية دون تبسيطها.
إن الإصلاح الحقيقي يتطلب إلغاء الخطوات غير الضرورية، وتوضيح المسؤوليات، وتفويض الصلاحيات، وربط الأداء بسرعة تقديم الخدمات وجودتها.
وبالنسبة للأردن، فإن تحسين كفاءة الإدارة الحكومية ليس مسألة تنظيمية فحسب، بل ضرورة اقتصادية ترتبط بجذب الاستثمار وتعزيز التنافسية وتحسين حياة المواطنين.
سادساً: قياس الأداء والمساءلة السياسية
في إدارة المشاريع، يجري قياس التقدم مقارنة بخطة معتمدة تشمل نطاق العمل والوقت والتكلفة والجودة.
وينبغي أن تتبنى الحكومات منهجية مشابهة، مع التركيز بصورة خاصة على المنافع الاجتماعية والاقتصادية.
فكل برنامج حكومي يجب أن يجيب عن أسئلة محددة: ما الهدف؟ وما الموازنة؟ ومن المسؤول؟ ومتى يفترض إنجازه؟ وما النتائج الفعلية؟ وما الإجراءات التصحيحية عند حدوث التأخير أو الإخفاق؟
وقد وفرت رؤية التحديث الاقتصادي الأردنية، وبرامجها التنفيذية، أساساً مهماً لتطبيق هذا النهج من خلال تحديد المشاريع والمؤشرات وآليات المتابعة.
لكن التحدي الأساسي يكمن في تحويل المتابعة إلى مساءلة فعلية وقرارات تصحيحية.
ولا يكفي إعداد تقارير الأداء إذا لم تؤثر نتائجها في السياسات الحكومية وتقييم المسؤولين.
فالرقابة البرلمانية والإعلامية ينبغي أن تنتقل من التركيز على التصريحات والمواقف إلى فحص النتائج والأرقام ومقارنتها بالأهداف المعلنة.
سابعاً: السلوك التنظيمي ومقاومة الإصلاح
حتى أكثر الخطط إحكاماً قد تفشل إذا لم يتعاون الأشخاص المسؤولون عن تنفيذها.
وهنا تبرز أهمية السلوك التنظيمي (Organizational Behavior) في الإدارة الحكومية.
فالمؤسسات تتكون من أفراد تتأثر قراراتهم بالمصالح والحوافز والثقافة المؤسسية ومقاومة التغيير.
وقد يرفض مسؤول التنازل عن بعض صلاحياته، أو تقاوم مؤسسة نقل مسؤولياتها إلى جهة أخرى، أو تعارض فئات إدارية إصلاحات تهدد امتيازاتها.
ولهذا لا يكفي إصدار التشريعات أو تعديل الهياكل التنظيمية لتحقيق الإصلاح.
بل يجب بناء ثقافة مؤسسية تشجع التعاون والشفافية والمبادرة والمساءلة.
وتتحمل الأحزاب السياسية مسؤولية مهمة في هذا المجال، إذ ينبغي أن تقدم برامج حكومية قابلة للتنفيذ، مدعومة بكفاءات مؤهلة، لا أن تكتفي بالشعارات السياسية أو المطالبة بالمشاركة في السلطة.
فالحزب السياسي الجاد يجب أن يكون قادراً على شرح كيفية تمويل برامجه وتنفيذها وقياس نتائجها.
ثامناً: الديمقراطية والمساءلة شرط لنجاح الإدارة
ثمة اختلاف جوهري بين إدارة مشروع تجاري وحكم دولة.
فمدير المشروع يعمل ضمن أهداف يحددها صاحب المشروع، بينما تعمل الحكومة ضمن نظام دستوري يضم مواطنين لهم حقوق ومصالح وآراء سياسية مختلفة.
ولذلك لا يجوز التعامل مع المواطنين باعتبارهم مجرد موارد لتنفيذ السياسات.
فالديمقراطية توفر الوسائل التي تتيح مناقشة الخيارات الوطنية ومحاسبة الحكومات وتصحيح السياسات.
ويشكل البرلمان والأحزاب والإعلام المستقل والقضاء والمجتمع المدني عناصر أساسية في هذه المنظومة.
كما أن حرية التعبير تسهم مباشرة في تحسين الأداء الحكومي.
ففي إدارة المشاريع، لا يؤدي إخفاء التقارير السلبية إلى حل المشكلات، بل يجعل اكتشافها متأخراً وأكثر تكلفة.
والأمر نفسه ينطبق على الحكومات التي تتعامل مع النقد باعتباره تهديداً بدلاً من اعتباره وسيلة للكشف عن الاختلالات وتصحيحها.
إن الحكومة التي تخشى النقد تشبه مدير مشروع يرفض الاطلاع على سجل المخاطر، معتقداً أن تجاهل المشكلات سيؤدي إلى اختفائها.
تاسعاً: الأردن وإدارة التنمية الوطنية
يمتلك الأردن اليوم ثلاثة مسارات مترابطة للتحديث: السياسي والاقتصادي والإداري.
وينبغي النظر إليها باعتبارها برنامجاً وطنياً متكاملاً، لا مبادرات منفصلة.
فالتحديث السياسي يعزز التمثيل والمساءلة، والتحديث الاقتصادي يستهدف زيادة الإنتاج والاستثمار وفرص العمل، أما تحديث القطاع العام فيجب أن يوفر القدرات المؤسسية اللازمة لتنفيذ المسارين الآخرين.
وأي تعثر في أحد هذه المسارات قد ينعكس سلباً على بقية المسارات.
ومن هنا تبرز أهمية إدارة البرامج والمحافظ الوطنية للمشاريع (Program and Portfolio Management)، بحيث تُربط المبادرات بالأهداف الاستراتيجية، وتُحدد المسؤوليات والموارد والجداول الزمنية ومؤشرات المنافع.
والأهم أن تستمر هذه البرامج رغم تغير الحكومات والوزراء.
فلا يجوز أن تبدأ التنمية الوطنية من نقطة الصفر كلما تشكلت حكومة جديدة.
كما يجب ألا تنتهي المسؤولية الحكومية عند افتتاح المشروع، بل ينبغي متابعة المنافع التي يحققها بعد تشغيله.
فقد ينجح مشروع في الالتزام بالتكلفة والوقت، لكنه يفشل في تحقيق الغاية الاقتصادية أو الاجتماعية التي أُنشئ من أجلها.
وهذا يؤكد أن إدارة التنمية ليست مجرد إدارة لتنفيذ المشاريع، بل إدارة للنتائج والمنافع الوطنية طويلة الأمد.
الخاتمة: من سياسة الوعود إلى سياسة الإنجاز
إن تطبيق مبادئ إدارة المشاريع على الحكم لا يعني تحويل السياسة إلى عملية هندسية، بل الجمع بين الشرعية الديمقراطية والكفاءة التنفيذية.
فالسياسة تحدد الأولويات الوطنية وتحمي الحقوق وتدير المصالح المتنافسة، بينما توفر الإدارة الاستراتيجية وإدارة المشاريع الوسائل اللازمة لتحويل هذه الأولويات إلى نتائج.
فالحكومة الكفؤة إدارياً دون مساءلة ديمقراطية قد تنزلق نحو الاستبداد، والحكومة التي تتمتع بالشرعية السياسية دون القدرة على التنفيذ قد تعجز عن تحقيق تطلعات المواطنين.
وبالنسبة للأردن، فإن المرحلة المقبلة ينبغي أن تركز على تعزيز تنفيذ الاستراتيجيات القائمة، وتطوير القدرات المؤسسية، وربط المسؤولية بالنتائج، وضمان استمرارية البرامج الوطنية.
وعلى الأحزاب أن تتنافس من خلال برامج قابلة للتنفيذ، وعلى البرلمان أن يحاسب الوزراء وفق مؤشرات واضحة، وعلى الحكومات أن تتيح للمواطنين الاطلاع على نتائج الإنفاق العام ومنافعه.
وفي النهاية، لا ينبغي أن يُقاس نجاح الحكومات بعدد الاجتماعات أو اللجان أو المشاريع التي افتتحتها، وإنما بما أحدثته من تحسن حقيقي في حياة المواطنين.
إن الوصول إلى السلطة إنجاز سياسي، أما تحقيق النتائج فهو المقياس الحقيقي للكفاءة في الحكم.
ولعل أهم درس تقدمه إدارة المشاريع إلى السياسة هو أن الوعد بلا خطة تنفيذية يبقى مجرد أمنية، والخطة بلا مساءلة قد لا تتحول إلى إنجاز.
وإذا أردنا الانتقال من سياسة الوعود إلى سياسة النتائج، فعلينا أن نغير الأسئلة التي نوجهها للمسؤولين.
فبدلاً من الاكتفاء بالسؤال: ماذا تنوون أن تفعلوا؟، ينبغي أن نسأل:
ماذا أنجزتم؟ وكم كلف ذلك؟ وهل تحقق في موعده؟ وما الذي تغير فعلياً في حياة المواطنين؟
عندها فقط تصبح السياسة مسؤولية عن الإنجاز، وليس مجرد منافسة على السلطة.
