تواجه الهند اليوم تحديا اقتصاديا فريدا يشبه في تأثيره صدمة التصنيع الصينية لكن بابعاد بشرية مختلفة تماما. حيث تعمد الدولة الاكثر سكانا في العالم الى دفع ملايين العمال والكفاءات نحو الاسواق الخارجية بدلا من التركيز على تصدير السلع والمنتجات الصناعية. ويأتي هذا التحول نتيجة عجز السوق المحلية عن استيعاب الاعداد المتزايدة من الباحثين عن عمل.
واظهرت البيانات ان الجامعات الهندية تضخ نحو 5 ملايين خريج سنويا الى سوق العمل. بينما ينضم قرابة مليون شخص شهريا الى القوى العاملة. واكد خبراء ان هذه الوتيرة المتسارعة تجعل خلق فرص عمل منتجة ومناسبة احد اكبر التحديات التي تعيق الاقتصاد الهندي رغم معدلات النمو المرتفعة التي تسجلها البلاد.
وكشفت تقارير حديثة ان نقص الفرص الوظيفية النوعية ادى الى هجرة واسعة النطاق بين الشباب الهنود. حيث توجه اصحاب المهارات العالية والمتقنون للغة الانجليزية الى البحث عن مسارات مهنية خارج الحدود لتحقيق طموحاتهم المهنية.
موجات الهجرة العالمية
وتصدرت الهند قائمة الدول المصدرة للمهاجرين الدوليين على مستوى العالم. وبينت الاحصائيات ان هناك نحو 18.5 مليون هندي يقيمون خارج بلادهم. مع تركز كثيف في الدول الناطقة بالانجليزية ودول الخليج العربي.
واوضحت سجلات الهجرة ان الهنود استحوذوا خلال السنوات الاخيرة على حصة الاسد من تأشيرات العمل المخصصة للمهنيين في الولايات المتحدة. واضافت ان بريطانيا واستراليا شهدتا ايضا تزايدا كبيرا في اعداد الوافدين الهنود الذين اصبحوا يشكلون اكبر مجموعة سكانية مولودة خارج البلاد في بعض تلك الدول.
واكدت مصادر حكومية ان نيودلهي تعمل بجد على توظيف هذه الكتلة البشرية الهائلة. والتي تضم ثاني اكبر قاعدة من خريجي العلوم والتكنولوجيا. لتلبية احتياجات الاسواق العالمية التي تعاني من نقص المهارات وشيخوخة السكان.
المكاسب الاقتصادية وتحديات المستقبل
وبين وزير الخارجية الهندي ان بلاده ابرمت اتفاقات دولية لتنقل العمالة مع 26 دولة. واضاف ان هذه الترتيبات اصبحت ركيزة اساسية في المفاوضات التجارية الثنائية التي تجريها الحكومة لضمان تدفق العمالة بشكل منظم.
واظهرت الارقام ان التحويلات المالية للمغتربين الهنود بلغت مستويات قياسية وصلت الى 150 مليار دولار خلال العام الماضي. واوضحت ان هذه المبالغ تمثل نحو 3% من الناتج المحلي الاجمالي. مما يجعل الهند اكبر متلق للتحويلات المالية عالميا.
وشدد خبراء على ان هذه الهجرة رغم ايجابياتها في تخفيف الضغط على السوق المحلي. الا انها تكلف الاقتصاد الهندي خسائر فادحة تقدر بمليارات الدولارات سنويا نتيجة فقدان الكفاءات والانتاجية المحلية.
مستقبل سوق العمل
وكشفت التطورات الاخيرة في سياسات الهجرة لدى الدول المتقدمة عن تحديات جديدة امام العمالة الهندية. واوضحت ان تشديد القيود وزيادة رسوم التأشيرات في دول مثل الولايات المتحدة قد يقلص من قدرة نيودلهي على تصدير فائض قوتها العاملة.
واكد محللون ان الاعتماد المفرط على تصدير العقول يضع الهند امام ضرورة حتمية لتغيير نموذجها الاقتصادي. واضافوا ان الحل يكمن في خلق وظائف منتجة محليا للاستفادة من الثقل الديموغرافي بدلا من الاعتماد الكلي على تحويلات الخارج.
وبينت التحليلات ان الفجوة بين نمو القوى العاملة وقدرة الاقتصاد المحلي على التوظيف لا تزال تتسع. واوضحت ان استمرار هذا التوجه قد يحول الهند الى مصدر رئيسي للمهارات بدلا من ان تكون مركزا صناعيا عالميا.
