الخرف ليس مرضًا واحدًا، بل مصطلح شامل يضم مجموعة من الحالات التي تؤثر في الذاكرة والتفكير والقدرة على أداء المهام اليومية. وبحسب منظمة الصحة العالمية، يعيش أكثر من 57 مليون شخص حول العالم مع الخرف، ومن المتوقع أن يتضاعف العدد تقريبًا كل 20 عامًا.

وغالبًا ما تبدأ الأعراض قبل التشخيص الرسمي بسنوات، بل بعقود أحيانًا، ولذلك فإن التشخيص المبكر قد يحسّن النتائج الصحية وجودة حياة المصابين بشكل ملحوظ، بحسب تقرير نشره "Eating well".


وسلط الخبراء الضوء على خمسة أعراض قد تظهر قبل التشخيص بسنوات. ولا يعني وجود أي من هذه الأعراض بالضرورة أنك أنت أو أحد أحبائك مصاب بالخرف أو سيصاب به، لكنها تستحق مزيدًا من الانتباه عندما تتكرر باستمرار أو تتفاقم بمرور الوقت أو تبدأ بالتأثير في الحياة اليومية.


1. نسيان المحادثات الأخيرة
تشير الأبحاث إلى أن صعوبة الاحتفاظ بمعلومات التفاعلات الحديثة من أبكر علامات الخرف وأكثرها وضوحًا. وهذا يتجاوز عبارة "نسيت عمّ كنا نتحدث" العابرة، ليصبح نمطًا متكررًا من العجز عن تذكّر ما قيل أو اتُّفق عليه أو جرى تبادله في حديث دار قبل قليل.

وقالت الدكتورة ليندا دولين، المديرة الطبية لمركز سيلفيا برافمان للصحة النفسية، إن التغيرات المبكرة تظهر عادةً على شكل فقدان متكرر لتذكّر المحادثات الأخيرة. ويمكن أن يشير هذا النوع من فقدان الذاكرة إلى تغيرات مبكرة في الحُصين والمناطق المحيطة به في الدماغ، المسؤولة عن تكوين الذكريات الجديدة واسترجاعها.

2. صعوبة إيجاد الكلمات المألوفة
إذا وجدت نفسك تشعر بالإحباط بسبب عجزك المتكرر عن تذكّر كلمات مألوفة، فقد يكون ذلك علامة تحذير مبكرة. ويُعرف هذا العرض طبيًا باسم "فقدان القدرة على التسمية" (Anomia)، وقد يشير إلى تغيرات مبكرة في مراكز اللغة بالدماغ، وهو من أكثر علامات التدهور المعرفي المبكرة شيوعًا.

وقال الدكتور ماكس دوشاي، الأخصائي النفسي السريري، إن أكثر ما يدل على التدهور المعرفي هو فقدان الشخص مهارات كان يؤديها بسهولة.

3. صعوبة أداء المهام متعددة الخطوات
تعتمد المهام اليومية، كاتباع وصفة طعام أو إدارة الميزانية أو تنظيم الجدول، على مهارة معرفية تسمى "الوظائف التنفيذية". وعندما تبدأ هذه المهارة بالتراجع، قد تصبح مهام كانت تُنجز تلقائيًا مرهقة أو مربكة. وهذه من أبكر علامات الخرف التي كثيرًا ما تمرّ دون ملاحظة، لأن الناس يميلون إلى إرجاعها إلى التوتر أو تشتت الانتباه.

وقالت الدكتورة شانون فرانكلين، الأخصائية النفسية: "غالبًا ما يكون تباطؤ القدرة على أداء الأمور اليومية أول علامة". وتدعم الأبحاث ذلك، إذ تظهر أن تراجع الوظائف التنفيذية قد يسبق شكاوى الذاكرة بعدة سنوات في أشكال معينة من الخرف.

4. تغيّر الشخصية أو المزاج
تُعدّ تغيرات الشخصية والمزاج والسلوك من أكثر علامات الخرف المبكرة إرباكًا، للشخص نفسه ولمن حوله. فمن كان صبورًا قد يصبح سريع الانفعال، ومن كان اجتماعيًا قد ينطوي على نفسه أو يصبح متشككًا. وربطت الأبحاث بين التغيرات المبكرة في الفص الجبهي وارتفاع خطر الخرف، حتى في غياب فقدان ملحوظ للذاكرة في تلك المرحلة.

وقال دوشاي إن التغيرات الظاهرة في الشخصية والمزاج من أبرز علامات الإنذار المبكر، مضيفًا أن ضعف الحكم على الأمور كثيرًا ما يصاحب هذه التغيرات السلوكية، ما يعكس اضطرابًا في الفص الجبهي، المنطقة المسؤولة عن اتخاذ القرار وضبط الاندفاع والسلوك الاجتماعي.

5. الانسحاب من الأنشطة الاجتماعية والترفيهية
يُعدّ الانسحاب التدريجي من التفاعل الاجتماعي أو الهوايات أو الأنشطة التي كان الشخص يستمتع بها علامة إنذار مبكرة خفية لكنها مهمة. وقد ينجم هذا الانسحاب عن عوامل عدة، منها إدراك الشخص لصعوبات معرفية لديه، أو الإرهاق، أو تراجع الدافعية، أو تغيرات الشخصية.

وقالت فرانكلين إن الانسحاب من الأنشطة التي كنت تستمتع بها وتراجع القدرة على اتخاذ القرارات علامتان تستحقان المراقبة، مضيفة أن العزلة الاجتماعية نفسها قد تسرّع التدهور المعرفي، ما يخلق حلقة مفرغة من المهم كسرها مبكرًا.

ماذا تفعل إذا لاحظت هذه الأعراض؟
إذا لاحظت أيًّا من هذه الأنماط لدى نفسك أو لدى شخص يهمك، ينصح الخبراء بما يلي:
• دوّن التغيرات: اكتب أمثلة محددة عن وقت ظهور الأعراض وعدد مرات حدوثها ومدى تأثيرها في المهام اليومية، لتصطحبها معك إلى موعد الطبيب.
• احجز موعدًا طبيًا في أقرب وقت: فالتقييم المبكر يفتح الباب أمام تدخلات وتغييرات في نمط الحياة ودعم قد يساعد في الحد من التدهور المعرفي.
• دعم صحة الدماغ عمومًا: تشير الدراسات إلى أن النشاط البدني المنتظم والنوم الكافي والتواصل الاجتماعي وضبط عوامل خطر أمراض القلب والأوعية من أكثر الوسائل المدعومة بالأدلة لحماية صحة الدماغ.
• استشر مقدّم رعاية صحية: فقد تسبب حالات صحية أخرى أعراضًا مشابهة من التدهور المعرفي، والتقييم الصحيح على يد مختص هو أفضل وسيلة لفهم ما يحدث والحصول على العلاج المناسب.

احذر تجاهل العلامات المبكرة
تميل العلامات الأولى للخرف إلى أن تكون خفية وتدريجية وسهلة التجاهل، ومن أبرزها تكرار هفوات الذاكرة وصعوبة إيجاد الكلمات ومشكلات التخطيط وتحولات الشخصية والانسحاب الاجتماعي.

ورغم أن أيًّا منها لا يؤكد التشخيص، فإن الفحص المبكر يمنحك أفضل فرصة لفهم ما يجري واتخاذ إجراءات تحدّ من التدهور المعرفي. وإذا كنت قلقًا على نفسك أو على أحد أحبائك، فتحدث إلى طبيبك أو إلى طبيب أعصاب يمكنه إرشادك إلى الخطوات التالية