تعيش الاسواق التونسية حالة من الترقب مع عودة الحديث عن ندرة بعض المواد الاساسية التي تثير مخاوف المستهلكين حول استقرار الامن الغذائي في البلاد. وبينما تشير تقارير رسمية الى تسجيل نمو اقتصادي طفيف خلال النصف الاول من العام الحالي مدعوما بقطاعي الفلاحة والسياحة، يظل التساؤل قائما حول مدى قدرة هذه المؤشرات الايجابية على منع تكرار فجوات العرض التي شهدتها البلاد مؤخرا.

واظهرت بيانات المعهد الوطني للاحصاء ان الاقتصاد التونسي حقق نموا بنسبة بلغت 2.3 بالمئة في الربع الثاني، مما رفع نسبة النمو في النصف الاول الى 2.4 بالمئة. ومع ذلك، يرى مراقبون ان هذه الارقام لا تعكس بالضرورة استقرارا كاملا في سلاسل التوريد او قدرة تامة على تلبية الطلب المحلي المتزايد في ظل ضغوط مالية متراكمة.

وبين محللون ماليون ان السوق التونسية تشهد حاليا مرحلة من اعادة التوازن بعد انقضاء ذروة الاستهلاك الصيفي، مؤكدين ان بعض المواد التي شهدت نقصا كانت مرتبطة بعوامل خارجية ومناخية لا دخل للاقتصاد المحلي بها بشكل مباشر.

تحليل ازمة المياه المعباة وتداخل العوامل

وكشف خبراء ان ازمة المياه المعباة التي طفت على السطح مؤخرا لم تكن ناتجة عن خلل في الانتاج، بل كانت نتيجة اضطراب في مسالك التوزيع التي فقدت مرونتها المعتادة. واضافوا ان ارتفاع درجات الحرارة غير المسبوق ادى الى طفرة في الطلب عجزت قنوات التوزيع عن مواكبتها بالشكل المطلوب.

واكد مختصون ان نقص مواد اخرى مثل الارز والسكر يرتبط بشكل وثيق بالتحديات التي يواجهها الديوان التونسي للتجارة في تمويل الواردات وسط ضغوط كبيرة على ميزانية الدولة. واشاروا الى ان تراكم الازمات العالمية بدءا من الجائحة وصولا الى التوترات الجيوسياسية الحالية قد ارهق كاهل المالية العمومية وجعل توفير المخزونات الاستراتيجية عملية معقدة.

واوضح متابعون للشأن الاقتصادي ان تجريم التخزين واعتباره ضربا من الاحتكار قد دفع الفاعلين الاقتصاديين الى التخلي عن تكوين مخزونات احتياطية كانت تعمل في السابق كصمام امان لامتصاص صدمات الطلب المفاجئة في الاسواق المحلية.

مخاطر هيكلية وتوقعات مستقبلية

وشدد خبراء اقتصاد على ان النمو المسجل حاليا لا يزال دون المستويات المامولة، محذرين من ان تداعيات انقطاعات الكهرباء وتذبذب اسعار الطاقة قد تؤثر سلبا على قطاعات الانتاج والخدمات مستقبلا. واضافوا ان استمرار شح الموارد المائية يلقي بظلاله على استقرار العرض المحلي ويزيد من هشاشة السوق امام اي صدمات خارجية محتملة.

وبينوا ان التحدي الحقيقي يكمن في ضرورة اجراء اصلاحات استباقية لمعالجة الاختلالات الهيكلية في منظومات الانتاج والتوزيع بدلا من الاكتفاء بالتدابير الظرفية. واكدوا ان محدودية احتياطات النقد الاجنبي تفرض قيودا اضافية على استيراد المواد الاساسية، مما يجعل استمرار ازمات الندرة احتمالا واردا اذا لم تتم معالجة جذور المشكلة المالية.

واشار مسؤولون في المقابل الى ان الحكومة تعمل على محاربة الاحتكار والمضاربة التي تعتبرها سببا رئيسيا في افتعال الازمات، مؤكدين عزمهم على تامين انتظام التزويد وتجاوز التحديات التي تواجه السوق التونسية في ظل الظروف الاقتصادية الراهنة.