يخوض الاقتصاد البرازيلي مرحلة مفصلية تتسم بصراع الرؤى الاقتصادية مع اقتراب موعد الاستحقاق الانتخابي، حيث يبرز التباين الحاد بين نهج الرئيس لويس ايناسيو لولا دا سيلفا الذي يراهن على دور محوري للدولة، وتوجهات المعسكر اليميني بقيادة فلافيو بولسونارو الذي ينادي بتحرير السوق وتقليص القيود الحكومية. وتكشف المعطيات الراهنة ان هذا الانقسام لا يقتصر على النخب السياسية فحسب، بل يمتد ليشمل القاعدة العمالية والشبابية التي بدأت تتبنى تطلعات اقتصادية جديدة تبتعد عن المفاهيم التقليدية للتوظيف.
واظهرت المؤشرات الاقتصادية تراجعا ملحوظا في حصة القطاع الصناعي من الناتج المحلي الاجمالي خلال العقود الاخيرة، مما دفع لولا الى تبني خطط طموحة لاعادة التصنيع عبر ضخ استثمارات ضخمة تقدر بمليارات الريالات. واكد الرئيس البرازيلي في اكثر من مناسبة ان التدخل الحكومي يعد صمام امان لدعم القاعدة الصناعية وحماية الوظائف التقليدية في مناطق حيوية مثل ولاية ميناس جيرايس التي تعتبر بيضة القبان في اي سباق انتخابي نحو قصر الرئاسة.
الصناعة في قلب التجاذبات السياسية
وبينت التحليلات الميدانية ان مدينة بيتيم تحولت الى ساحة اختبار حقيقية لهذه السياسات، حيث تتصارع الرؤى حول جدوى الاستثمارات الصناعية الكبرى مقابل متطلبات سوق العمل المتغير. واضاف مراقبون ان تراجع النفوذ التقليدي لليسار في هذه المناطق العمالية يعكس حالة من التململ لدى فئات واسعة ترى في النموذج الاقتصادي الحالي قيودا تحد من طموحاتها الفردية وتحد من مرونة العمل الحر الذي بات يجذب قطاعا كبيرا من الشباب.
وكشفت تقارير اقتصادية ان التوجه نحو العمل المستقل بات يشكل تحديا حقيقيا للشركات الكبرى التي تواجه صعوبات متزايدة في استقطاب الايدي العاملة الماهرة. واشار خبراء الى ان هذا التحول الاجتماعي يغذي خطاب المعسكر اليميني الذي يرى في المبادرة الفردية والحرية الاقتصادية مفتاحا للنهوض بالبلاد وتجاوز الازمات الهيكلية التي تعاني منها البنية الصناعية.
رهانات بولسونارو على تحرير السوق
واوضح المحللون ان برنامج فلافيو بولسونارو يستلهم تجارب اقتصادية اقليمية تقوم على تقليص دور الدولة بشكل جذري وازالة مئات القيود التنظيمية التي تعيق حركة النشاط الاقتصادي. وشدد انصار هذا التوجه على ان السوق المفتوح يمتلك قدرة ذاتية على تنظيم نفسه وابتكار حلول للمشكلات الصناعية اكثر كفاءة من البيروقراطية الحكومية التي تستنزف الموارد وتحد من التنافسية.
وخلص المشهد الانتخابي الى ان الناخب البرازيلي يقف اليوم امام خيارين متناقضين، الاول يرى في الدولة راعيا ومحركا للنمو الصناعي، والثاني يرى في السوق الحر المحرك الوحيد للازدهار في ظل المتغيرات العالمية. ويبقى مستقبل الاقتصاد البرازيلي مرهونا بنتائج هذا الصراع الذي يعيد تشكيل خارطة التحالفات الاجتماعية والسياسية في اكبر دول امريكا اللاتينية.
