في ليلة أردنية هادئة، وفي شوارع حي "شفا بدران" الهادئ بشمال عمان، لم تتوقف عقارب الساعة عند حدود اللحظة، بل توقفت عند حدود "الإنسانية". بكب مشبوه، بلا أرقام ولا لوحات، يتسلل تحت ستار الظلام ليُمارس مجزرة صامتة بحق مخلوقات لا تملك إلا صوت نباحها ليحمياها. رصاصات تُطلق بدم بارد، ثم جثث تُجمع وتُوضع داخل أكياس سوداء وتُلقى في الحوض الخلفي للسيارة.. ومسرح الجريمة يُفرغ بغضون دقائق وكأن شيئاً لم يكن!

إن مشاهدة هذه التصفية الميدانية تطرح سؤالاً وجودياً مروعاً: من أعطى هؤلاء حق سلب أرواحٍ لم تخلقها أيديهم؟ وأين دولة القانون والمؤسسات من هذه الفوضى؟

حين نفتح المنشورات والتصريحات الرسمية الصادرة عن البلديات  ودوائرها المعنية برعاية الحيوان، نجد مجلداً كاملاً من الوعود والبرامج النموذجية؛ إذ تُردد الأمانة باستمرار التزامها التام ببرنامج ABC - Animal Birth Control العالمي— القائم على جمع الكلاب الضالة، تعقيمها، تطعيمها ضد مرض الكلب، ثم إعادة إطلاقها لمنع تكاثرها بأسلوب حضاري وإنساني يتماشى مع المعايير الدولية.

ولكن، عندما تلتقي "الورقيات والرسميات" بالواقع الميداني  تتلاشى صورة المبادرات الحضارية لتُستبدل بـ "سيارات بدون نمر" وأكياس سوداء للقمامة تُحشى بأجساد كائنات رُميت بالرصاص!

هذا التناقض الصارخ يتطلب إجابة صريحة: هل أصبحت الشعارات والتصريحات الإعلامية مجرد مخدر للرأي العام الدولي والجمعيات الحقوقية، بينما تُدار الأمور على الأرض بعقلية العصابات والإبادة الميدانية السريعة؟ وإذا لم تكن الأمانة هي من ينفذ هذه الحملات، فكيف تُترك سيارات بلا نمر تجوب العاصمة بسلاح حي وتقتل الكائنات وتغادر دون ملاحقة؟

إن ما حدث  ليس مجرد خرق للتعليمات، بل هو انتهاك صارخ للقيم الأخلاقية والإسلامية التي قام عليها المجتمع. فالروح لم يخلقها الإنسان حتى يستبيح إزهاقها بهذه البشاعة.

فقد علمنا رسولنا الكريم أن الرحمة بهذه الكائنات الضعيفة قد تكون سبباً لدخول الجنان؛ حيث جاء في الحديث الصحيح: «بَيْنَما كَلْبٌ يُطِيفُ برَكِيَّةٍ، كادَ يَقْتُلُهُ العَطَشُ، إذْ رَأَتْهُ بَغِيٌّ مِن بَغَايَا بَنِي إسْرَائِيلَ، فَنَزَعَتْ مُوقَها فَسَقَتْهُ بهِ، فَغُفِرَ لَها بهِ» (رواه البخاري ومسلم). إن إمرأة غُفرت لها ذنوب العمر لأنها أرواءت عطش كلب، فكيف بمن يملأ جسد هذا الكلب بالرصاص ويلقيه في كيس

لا أحد ينكر أو يتجاهل الواقع؛ نعم، هناك حوادث عقر مؤلمة شهدناها وسجلتها وسائل الإعلام لأطفال ومواطنين، ونعلم حجم الرعب والذعر الذي تسببه التجمعات غير المنظمة للكلاب الضالة. لكن الفرق بين المجتمعات الحضارية والمجتمعات الغابِيّة هو كيفية العلاج

إن علاج مشكلة حوادث العقر والتكاثر العشوائي لا يكون أبداً بالإبادة الدموية التي توغر الصدور وتزرع العنف في نفوس أطفالنا الذين يشاهدون القتل في الشوارع. علاج العقر يكون بالتنفيذ الحقيقي والمحكم لبرامج التعقيم، وإقامة الملاجئ، وتفعيل الطعوم الوقائية، وإزالة المكبات العشوائية للنفايات التي تجذب هذه الحيوانات. أما الإبادة بالرصاص فهي ملجأ العاجز ومسكن مؤقت يخلق خللاً بيئياً أشد خطورة.

ومن الناحية القانونية والتشريعية، إن التصرف الظاهر في شوارع شفا بدران ينطوي على عدة جرائم مرادفة وفق قانون العقوبات والقوانين الأردنية.
إن ما  حدث يضع البلديات والأجهزة المعنية أمام اختبار حقيقي وشفاف: إما التحقيق الفوري بكشف هوية هذه "البكب" ومن يقف خلفها ومحاسبتهم علناً، وإما الاعتراف بأن التعهدات وتطبيق برنامج (ABC) ليست سوى حبر على ورق!

الأرواح ليست نفاية لترُمى في أكياس سوداء، والشارع الأردني لن يقبل أن تُدار أزماته البيئية برصاصات طائشة في ظلام الليل!