-عمر ضمرة-
في أيلول/سبتمبر، الشهر الذي لا يزال يحمل في الذاكرة الأميركية جرح 11 سبتمبر 2001، حين تحولت الطائرات المدنية إلى أدوات لهجمات غيرت وجه العالم، تأتي حادثة رحلة فلاي دبي لتفتح بابا واسعا من الأسئلة، ليس فقط حول ما جرى داخل قمرة القيادة، وإنما حول توقيت الحادث وسياقه السياسي والرسالة التي يمكن أن يتركها في الرأي العام الدولي، وخصوصا الأميركي.
فقد جاء الحادث بعد أيام قليلة من المشهد الذي طغى على أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة، عندما غادرت وفود عديدة قاعة الجمعية العامة مع بدء نتنياهو إلقاء خطابه، في رسالة احتجاج سياسية ودبلوماسية واضحة أمام العالم. ولم يتردد نتنياهو في وصف المغادرين بأنهم "جبناء"، في وقت كانت فيه الحكومة الصهيونية تواجه انتقادات دولية واسعة بسبب الحرب في قطاع غزة والعمليات في الضفة الغربية، وما رافقها من اتهامات بارتكاب انتهاكات للقانون الدولي.
ولم يكن المشهد الدبلوماسي وحده لافتا، فقد بدت زيارة نتنياهو إلى نيويورك قصيرة ومحدودة سياسيا، في وقت لم يحظ فيه باستقبال من ترامب، كما لم تبرز لقاءات سياسية أميركية رفيعة بالمستوى الذي كان يمكن أن يمنح الزيارة ثقلا مختلفا.
ثم، بعد هذا المشهد بفترة وجيزة، تظهر في الفضاء الإعلامي قصة أخرى شديدة القابلية للانتشار: طائرة مدنية، طيار يتعرض للطعن، قمرة قيادة تفقد السيطرة، طائرة تهبط بصورة خطرة، ثم عملية إنقاذ في اللحظات الأخيرة.
ففي الولايات المتحدة، يكفي ذكر طائرة مدنية تفقد السيطرة أو تتعرض لمحاولة اختطاف حتى تستيقظ في الذاكرة الجمعية صور 11 سبتمبر 2001. وهي ذاكرة لم تفقد قدرتها على التأثير في الرأي العام الأميركي، ولا تزال قضية أمن الطيران من أكثر القضايا حساسية في الوعي العام والسياسي هناك.
ومن هذه الزاوية، يبدو السؤال مشروعا: هل كان اختيار هذا التوقيت مجرد مصادفة، أم أن من يقف خلف الحادث، إن ثبت وجود تدبير، كان يدرك تماما القوة الرمزية التي يمكن أن تحملها واقعة من هذا النوع؟
فالرسالة الإعلامية المحتملة لا تحتاج إلى كثير من التعقيد، ففي لحظة كان فيها العالم يتابع جرائم نتنياهو في غزة، والضحايا المدنيين، والاتهامات الموجهة إلى الحكومة الصهيونية، يمكن لحادث طائرة أن يغير اتجاه الاهتمام بصورة حادة، وينقل النقاش من صورة الضحية الفلسطينية إلى صورة المدني المهدد بالإرهاب، ومن الحديث عن الحرب والانتهاكات إلى الحديث عن أمن الطيران والخطر الذي يمكن أن يطال الأبرياء.
وهنا يبرز سؤال آخر: من المستفيد من إعادة صياغة المشهد بهذه الطريقة؟
ليس المقصود بالضرورة أن يكون الهدف إسقاط الطائرة، بل ربما كان الهدف، إذا كان الحادث مدبرا، خلق واقعة قادرة على إنتاج أثر سياسي وإعلامي أكبر من حجمها، وإعادة توجيه بوصلة الرأي العام الدولي في لحظة كانت فيها صورة الحكومة الصهيونية تواجه ضغوطا سياسية ودبلوماسية متزايدة.
واللافت أن الرواية المتداولة عن الحادث تجمع في مساحة زمنية قصيرة عددا من العناصر شديدة الحساسية: اعتداء داخل قمرة القيادة، إصابة قائد الطائرة، فقدان السيطرة، هبوط اضطراري، تدخل لإنقاذ الطائرة، ثم قصة ركاب يشاركون في السيطرة على الموقف، وهي عناصر كفيلة بإنتاج قصة إعلامية ضخمة، خصوصا إذا انتقلت سريعا إلى وسائل الإعلام الأميركية والدولية.
لكن السؤال الذي يتجاوز تفاصيل الاعتداء هو: كيف اجتمعت كل هذه العناصر في رحلة واحدة، وفي هذا التوقيت بالذات، وبعد مشهد سياسي شديد الحساسية في الأمم المتحدة؟، فالسياسة لا تقرأ فقط بما يحدث، وإنما أحيانا بما يحدث متى وأين وكيف.
ولهذا لا تبدو حادثة فلاي دبي واقعة طيران منفصلة عن محيطها السياسي. فقد جاءت في لحظة شديدة الحساسية، وفي شهر يحمل للأميركيين ذاكرة الطائرات والهجمات الإرهابية، وبعد أيام من مشهد أممي أظهر حجم الانقسام الدولي حول نتنياهو والحرب في غزة.
إن اجتماع التوقيت والطبيعة والقدرة الكبيرة للحادث على إنتاج أثر إعلامي واسع يجعل من المشروع التساؤل عما إذا كانت الطائرة قد دخلت فعلا في أزمة عابرة، أم أن الأزمة نفسها صممت لتخدم أثرا سياسيا يتجاوز حدودها.
