بقلم : م نبيل إبراهيم حداد


أثارت حادثة رحلة «فلاي دبي» رقم FZ1073، المتجهة من دبي إلى تل أبيب في 30 أيلول 2026، اهتماماً واسعاً بسبب خطورتها الاستثنائية. فبحسب المعلومات المتاحة، وقع اعتداء داخل قمرة القيادة أدى إلى إصابة قائد الطائرة، ودخولها في هبوط حاد، قبل أن تتم السيطرة على الوضع وتحويل مسارها إلى تبوك في المملكة العربية السعودية.
لكن الحادث لم يبقَ في حدود الأمن الجوي والتحقيق الفني. فمنذ الساعات الأولى، انتقل سريعاً إلى المجال السياسي والإعلامي، وخصوصاً في إسرائيل، حيث قُدِّم باعتباره محاولة إرهابية استهدفت إسرائيليين، بل وبدأت المقارنة بينه وبين هجمات 11 أيلول.
وهنا تبرز مسألة تحتاج إلى فصل واضح بين ما نعرفه فعلاً وما يجري بناؤه سياسياً وإعلامياً حول الحادث.

التحقيق لم يحسم الدافع بعد
حتى تاريخ كتابة هذا المقال، لم يصدر التقرير الرسمي النهائي للتحقيق في الحادث.
السلطات الإماراتية أعلنت فتح تحقيق رسمي، كما أمر النائب العام الإماراتي بتشكيل فريق متخصص من النيابة العامة للتحقيق في ملابسات الحادث ودوافعه. وفي المقابل، أفادت وكالة رويترز في الأول من تشرين الأول بأن الدافع لم يكن قد تحدد بعد، وأن التقديرات الأولية أشارت إلى احتمال تصرف مساعد الطيار بصورة منفردة، من دون إثبات وجود ارتباط بتنظيم إرهابي أو بجهة خارجية.
وهذه نقطة جوهرية.
فوقوع اعتداء داخل قمرة القيادة وتعريض الطائرة للخطر أمر ثابت الخطورة، لكنه لا يكفي وحده لتحديد الدافع. فالتحقيق لا يزال مطالباً بالإجابة عن أسئلة أساسية: هل كان العمل مخططاً مسبقاً؟ هل كانت وجهة تل أبيب جزءاً من الخطة؟ هل كان الدافع سياسياً أو دينياً؟ هل تصرف الشخص بمفرده؟ وهل كانت هناك جهة أخرى على علم بما ينوي القيام به؟
قبل الإجابة عن هذه الأسئلة، تبقى الصفة الإرهابية استنتاجاً سياسياً أو أمنياً أولياً، وليست نتيجة نهائية للتحقيق.

إسرائيل سبقت التحقيق إلى بناء الرواية
مع ذلك، لم تنتظر إسرائيل اكتمال التحقيق.
فقد سارعت إلى تشديد إجراءات فحص الطيارين القادمين إلى إسرائيل، بينما تحدث مسؤولون إسرائيليون عن محاولة متعمدة لإسقاط الطائرة.
الأكثر دلالة كان انتقال الخطاب الإسرائيلي إلى مقارنة الحادث بهجمات 11 أيلول. فقد استخدم بنيامين نتنياهو نفسه تعبيراً يفيد بأن ما جرى كان يمكن أن يتحول إلى «11 أيلول آخر». وانتشرت هذه المقارنة سريعاً في عدد من وسائل الإعلام.
هذه المقارنة ليست بسيطة.
فذكر 11 أيلول يستحضر فوراً في الذاكرة الغربية صورة الطائرات المستخدمة كأسلحة، والإرهاب العابر للحدود، والمدنيين المستهدفين، والحاجة إلى إجراءات أمنية استثنائية.
وبذلك ينتقل الحادث، إعلامياً، من كونه واقعة داخل قمرة قيادة ما زالت دوافعها مجهولة إلى قصة أكبر بكثير:
طائرة متجهة إلى إسرائيل، محاولة إرهابية، خطر على المدنيين، وبطولة حالت دون كارثة مشابهة لـ11 أيلول.
وهنا يبدأ البعد السياسي للحادث.

توقيت يخدم إسرائيل سياسياً
حدث ذلك في وقت تمر فيه إسرائيل بمرحلة صعبة على المستوى الدولي.
فقد جاء الحادث بعد أيام قليلة من الخطاب الذي ألقاه نتنياهو أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة وسط أجواء من الانتقادات الدولية الواسعة لإسرائيل وسياساتها وحرب غزة.
ومن هذه الزاوية، قدمت حادثة فلاي دبي لإسرائيل فرصة لإعادة صياغة المشهد الإعلامي.
قبل الحادث كان جزء كبير من الخطاب الدولي يدور حول:
غزة، الخسائر المدنية، الضغوط الدولية، والعزلة السياسية المتزايدة.
أما بعد الحادث، فقد أصبح من الممكن إعادة التركيز على:
الإسرائيليين كضحايا محتملين للإرهاب، والتهديد الأمني المستمر، والحاجة إلى إجراءات أمنية مشددة.
ليس هناك، حتى الآن، دليل يثبت وجود خطة إسرائيلية مسبقة لاستغلال الحادث بهدف محو أثر ما جرى في الأمم المتحدة.
لكن من الناحية السياسية، من الواضح أن الحادث يوفر لإسرائيل مادة إعلامية تخدم خطاباً اعتادت استخدامه منذ سنوات: إسرائيل محاطة بالتهديدات، وأمنها يجب أن يكون أولوية في تقييم سياساتها.

كيف يمكن إبقاء الحادث حاضراً في الإعلام؟
القيمة السياسية للحادث لا تتوقف على يوم وقوعه.
يمكن إبقاء القصة حية لفترة طويلة من خلال سلسلة متتابعة من التطورات:
إعلان إجراءات أمنية جديدة، نشر شهادات الركاب، مقابلات مع أفراد الطاقم، الحديث عن «أبطال» منعوا الكارثة، الكشف التدريجي عن معلومات التحقيق، مناقشة خلفية مساعد الطيار، طرح احتمال وجود جهات خارجية، وتكرار المقارنة بهجمات 11 أيلول.
ولا يحتاج الأمر بالضرورة إلى حملة إعلامية مركزية ومعلنة.
فكل تصريح جديد يولد دورة إعلامية جديدة، وكل مقابلة مع أحد الركاب أو أفراد الطاقم تعيد القصة إلى العناوين، وكل إجراء أمني إسرائيلي جديد يعيد ربط الحادث بفكرة «التهديد المستمر».
وقد بدأت بالفعل رواية البطولة بالظهور بقوة، مع التركيز على شجاعة قائد الطائرة والركاب الذين ساهموا في السيطرة على الوضع.
هذه القصص الإنسانية تجذب الإعلام أكثر من التقارير الفنية، وتساعد على تثبيت الحادث في الوعي العام لفترة أطول.

صناعة رواية لا تعني اختلاق الحادث
من المهم هنا عدم الخلط بين أمرين.
القول إن إسرائيل تستفيد سياسياً وإعلامياً من الحادث لا يعني أن الحادث مختلق أو أن الخطر لم يكن حقيقياً.
ما حدث كان خطيراً للغاية، ومن حق أي دولة أن تتعامل بجدية مع حادث يهدد طائرة تحمل مواطنيها.
لكن الحدث الحقيقي يمكن أن يتحول في الوقت نفسه إلى أداة سياسية واتصالية.
وهذا يحدث في معظم الدول.
الحكومات تختار عادةً أي عناصر من الحدث تبرز، وأي كلمات تستخدم لوصفه، وأي صور وشهادات تكرر، وما الرسالة التي تريد أن يخرج بها الجمهور.
وفي حالة فلاي دبي، يبدو أن إسرائيل اختارت مبكراً التركيز على ثلاثة عناصر:
الإرهاب، والبطولة، والمقارنة مع 11 أيلول.
وهذه العناصر الثلاثة شديدة القوة في تشكيل الرأي العام الغربي.

لماذا المقارنة مع 11 أيلول مؤثرة؟
لأن 11 أيلول ليست مجرد حادثة تاريخية في الوعي الأمريكي والغربي؛ بل أصبحت رمزاً عالمياً للإرهاب باستخدام الطائرات المدنية.
وعندما تُربط حادثة فلاي دبي بها، فإن الجمهور قد يتوقف عن التعامل معها باعتبارها حادثة طيران تحتاج إلى تحقيق، ويبدأ بالنظر إليها باعتبارها محاولة إرهابية مشابهة من حيث النية.
لكن هناك فرقاً كبيراً بين الحالتين.
في 11 أيلول كانت هناك عملية منظمة شارك فيها عدد من الأشخاص، وتم التخطيط لها مسبقاً، واستُخدمت الطائرات عمداً كأسلحة ضد أهداف محددة.
أما في حادثة فلاي دبي، فلا نعرف حتى الآن، وفق ما أعلن رسمياً، ما إذا كان هناك تنظيم أو تخطيط مسبق أو جهة خارجية أو حتى دافع سياسي مثبت. بل إن رويترز نقلت أن الدافع لم يُحدد بعد وأنه لا يوجد حتى الآن ارتباط مثبت بنشاط إرهابي.
لذلك فإن المقارنة مع 11 أيلول في هذه المرحلة هي مقارنة سياسية وإعلامية أكثر منها نتيجة تحقيقية.

مسار الطائرة يترك أسئلة أيضاً
هناك جانب آخر يستحق الاهتمام، وهو مسار الطائرة.
بيانات التتبع المتاحة تشير إلى أن الحادث وقع بعد أن قطعت الطائرة جزءاً كبيراً من رحلتها، وأنها وصلت إلى منطقة قريبة من المجال الجوي الأردني قبل أن يتغير المسار وتتجه لاحقاً إلى تبوك.
هذه التفاصيل لا تثبت أو تنفي وجود نية لاستهداف إسرائيل.
لكنها تطرح سؤالاً مهماً:
من كان يسيطر على الطائرة في كل مرحلة؟
فمعرفة اللحظة التي بدأ فيها الصراع، واللحظة التي فقد فيها أحد الطيارين السيطرة، وتوقيت استعادة السيطرة، والاتجاهات التي أُدخلت إلى أنظمة الطائرة، ستساعد كثيراً في فهم النية.
وهذه أمور لا يمكن حسمها من خلال تتبع الرحلة وحده.
الإجابة الحقيقية توجد في تسجيلات قمرة القيادة، ومسجل بيانات الرحلة، وشهادات الطاقم، وسجلات الاتصالات، والتحقيق في الخلفية الشخصية والمهنية لمساعد الطيار.

ليس كل صراع داخل قمرة القيادة إرهاباً
كما أن التاريخ الجوي يعرف حالات نادرة وقع فيها صراع أو اشتباك بين أفراد الطاقم من دون أن يكون له أي دافع إرهابي.
ففي عام 2022، على سبيل المثال، وقع شجار جسدي بين طيارين في إحدى رحلات الخطوط الجوية الفرنسية بين جنيف وباريس، وتم التعامل معه كقضية انضباط وسلامة جوية، وليس كحادث إرهابي.
ولا يعني ذلك أن حادث فلاي دبي مشابه له.
لكن هذه السوابق توضح أن مجرد حدوث صراع في قمرة القيادة لا يكفي وحده لتحديد الدافع.
ومن الأسئلة المهمة أيضاً التي لم يُعلن جوابها حتى الآن: هل سبق للطيارين المعنيين أن عملا معاً في رحلات سابقة؟ وهل كانت بينهما أي خلافات مهنية أو شخصية؟
هذه التفاصيل يمكن أن تساعد في فهم الخلفية الحقيقية للحادث.
بين الحقيقة والتحويل السياسي للحدث
التحدي الآن هو ألا تختلط ثلاثة مستويات مختلفة:
الحادث نفسه، والتحقيق في أسبابه، والرواية السياسية المبنية حوله.
الحادث كان حقيقياً وخطيراً.
التحقيق لم يكتمل بعد.
أما الرواية السياسية، فقد بدأت تتشكل بسرعة كبيرة.
وإسرائيل لديها مصلحة واضحة في أن تبقى هذه الرواية حاضرة دولياً، لأنها تنقل جزءاً من النقاش العالمي من سؤال:
ماذا تفعل إسرائيل في غزة؟
إلى سؤال مختلف:
ما حجم التهديد الإرهابي الذي يواجه الإسرائيليين؟
وهذا التحول وحده له قيمة سياسية كبيرة.

الخلاصة
ربما تثبت التحقيقات لاحقاً أن ما جرى كان بالفعل محاولة إرهابية مخططة استهدفت طائرة متجهة إلى إسرائيل.
وعندها ستكون بعض الاستنتاجات الإسرائيلية المبكرة صحيحة.
لكن ربما تكشف التحقيقات أيضاً عن دوافع مختلفة تماماً.
ولهذا فإن الموقف الأكثر مهنية اليوم هو الانتظار حتى يصدر التقرير الرسمي.
ما نستطيع قوله بثقة أكبر هو أن إسرائيل لم تنتظر نتائج التحقيق قبل بناء رواية سياسية وإعلامية قوية حول الحادث.
فقد ظهر مبكراً وصف الإرهاب، ثم جاءت المقارنة مع 11 أيلول، ثم التركيز على بطولة الركاب والطيار، ثم تشديد الإجراءات الأمنية.
وبذلك تحولت حادثة جوية لم تُحسم دوافعها بعد إلى قصة سياسية أوسع حول إسرائيل باعتبارها مستهدفة بالإرهاب.
وقد يكون هذا تحديداً هو المكسب السياسي الأهم لإسرائيل من الحادث:
ليس تغيير حقيقة ما حدث، بل تحديد الطريقة التي يريد أن يفهم بها العالم ما حدث قبل أن تكتمل التحقيقات.
هذه النسخة أكثر تماسكاً من السابقة، وأبقيت فيها على النقد السياسي من دون تحويله إلى اتهام غير مثبت.