تتجاوز ازمة المياه في تونس حدود الانقطاعات المتكررة عن المنازل او نقص القوارير في المتاجر لتتحول الى تحد اقتصادي ومعيشي معقد يمس حياة المواطن اليومية بشكل مباشر. واظهرت البيانات ان المشكلة ليست مجرد جفاف عابر بل هي ازمة بنيوية عميقة تتقاطع فيها ندرة الموارد مع تهالك شبكات التوزيع والحاجة الملحة لاستثمارات ضخمة لتحديث البنية التحتية المائية التي تعاني من القدم. وكشفت التقارير ان الطلب على المياه المعبأة سجل ارتفاعا قياسيا بنحو 30 بالمئة مقارنة بالمعدلات المعتادة وهو ما يعكس تراجع ثقة المستهلك في جودة مياه الحنفية وتزايد الاعتماد على البدائل المكلفة التي ترهق ميزانية الاسرة.

واقع مائي صعب وشبكات متهالكة

وبينت المؤشرات ان نصيب الفرد التونسي من المياه تراجع الى مستويات مقلقة تتراوح بين 380 و430 مترا مكعبا سنويا وهو ما يقع دون عتبة الفقر المائي المحددة عالميا. واضاف المختصون ان التوقعات تشير الى مزيد من الانخفاض في حصة الفرد بحلول العقود القادمة اذا لم تتخذ اجراءات عاجلة للحد من استنزاف الموارد الجوفية التي تجاوز معدل استخراجها 133 بالمئة من طاقتها المتجددة. واكدت المعطيات ان انتشار الآبار العشوائية غير المرخصة فاقم من حدة الازمة حيث وصل عددها الى عشرات الالاف خلال فترة وجيزة مما استنزف المخزون الاستراتيجي للمياه بشكل غير قانوني ومقلق.

واوضح الخبراء ان نسبة المياه الضائعة في شبكات التوزيع تصل الى مستويات مرتفعة جدا حيث تبلغ المياه غير المفوترة لدى الشركة الوطنية لاستغلال وتوزيع المياه حوالي 41 بالمئة. وشدد الباحثون على ان هذه الارقام تكشف مفارقة كبيرة حيث يواجه البلد ندرة حقيقية بينما تضيع كميات ضخمة من المياه قبل ان تصل الى المستهلكين او المزارعين بسبب اهتراء الشبكات وغياب الصيانة الدورية.

انعكاسات الازمة على سلة الغذاء

واشار المحللون الاقتصاديون الى ان ازمة المياه لم تعد محصورة في قطاع الشرب بل امتدت لتشمل قنوات الانتاج والاسعار والدخل القومي بشكل عام. واضافوا ان ارتفاع تكاليف الانتاج الزراعي بسبب شح المياه ينعكس مباشرة على اسعار الغذاء في الاسواق مما يضع الاسر محدودة الدخل تحت ضغوط معيشية كبيرة. وبينت الدراسات ان قطاع الفلاحة السقوية والصناعات الغذائية هما الاكثر تضررا من هذا الوضع مما يهدد الامن الغذائي الوطني على المدى البعيد.

واكدت تقارير دولية ان الاقتصاد التونسي قد يواجه انكماشا ملحوظا في حال استمرار الوضع المائي الحالي دون حلول جذرية. واضافت هذه التقارير ان التوقعات تشير الى تراجع كبير في القيمة المضافة للقطاع الزراعي بحلول السنوات المقبلة وهو ما سيؤثر سلبا على معدلات النمو الاقتصادي الكلي. واشار الخبراء الى ان قطاعات حيوية مثل السياحة وصناعة النسيج والفوسفات ستكون ضمن المتضررين من نقص الموارد المائية الضرورية للعمليات الانتاجية والمعالجة.

دلالات التوجه نحو المياه المعبأة

وكشفت ارقام المرصد الوطني للمياه عن مئات الحالات من الاضطرابات في التوزيع مما دفع المواطنين للبحث عن حلول بديلة اصبحت تشكل عبئا ماليا اضافيا. واضاف المراقبون ان تحول القارورة من منتج تكميلي الى ضرورة يومية يعكس فشل الخدمة العامة في توفير مياه صالحة للشرب بشكل منتظم وموثوق. وبينت التحليلات ان الحل لا يكمن في زيادة انتاج القوارير بل في معالجة جوهر المشكلة عبر تقليص الفاقد في الشبكات وضبط استنزاف المياه الجوفية. واكد الخبراء في ختام رؤيتهم ان اصلاح حلقة المياه هو الطريق الوحيد لحماية دخل المزارع وتخفيف فاتورة الاسرة وضمان استقرار اسعار الغذاء في السوق المحلية.