تسعى مصر بخطى حثيثة الى تعويض التراجع الملحوظ في معدلات انتاج الغاز الطبيعي الذي وصل الى مستويات قياسية خلال الفترة الاخيرة، حيث تراهن الحكومة على ضخ استثمارات جديدة وتسريع عمليات ربط الابار المكتشفة حديثا بالشبكة القومية لتقليل فاتورة الاستيراد الباهظة. وتأتي هذه التحركات في وقت تحاول فيه القاهرة الموازنة بين سد الفجوة الاستهلاكية الكبيرة والحفاظ على مكانتها كمركز اقليمي محوري لتجارة الطاقة في شرق المتوسط.

وكشفت وزارة البترول المصرية عن خطوات عملية لدعم الانتاج المحلي، حيث اعلنت عن اضافة كميات يومية جديدة من الغاز والمتكثفات عبر تشغيل ابار جديدة واعادة تأهيل اخرى متوقفة، مؤكدة ان هذه الخطوات تأتي نتيجة لتسوية المستحقات المالية للشركاء الاجانب مما شجعهم على تكثيف عمليات الحفر والتنقيب. واوضحت الوزارة ان استراتيجيتها تركز على الاستفادة القصوى من البنية التحتية القائمة لضمان سرعة دخول الاكتشافات الجديدة الى دائرة الانتاج الفعلي.

وبينت الارقام الرسمية حجم التحدي الذي تواجهه الدولة، حيث تشير التقديرات الى وجود فجوة واسعة بين معدلات الانتاج اليومي التي تبلغ نحو 3.7 مليار قدم مكعبة واحتياجات الاستهلاك المحلي التي تتجاوز 7 مليارات قدم مكعبة في فترات الذروة. واضاف خبراء الطاقة ان هذا العجز يفرض على الدولة ضغوطا مالية كبيرة لتوفير امدادات الغاز اللازمة لمحطات الكهرباء وقطاع الصناعات الثقيلة كالاسمدة والبتروكيماويات.

التحديات الهيكلية ومستقبل حقول الغاز

واكد اعضاء في مجلس النواب المصري ان قطاع الطاقة يعاني من خلل هيكلي يتطلب معالجة ادارية ومالية عاجلة، مشيرين الى ان الانتاج الحالي هو الاقل منذ سنوات طويلة نتيجة تراجع انتاجية بعض الحقول الكبرى. وشدد مراقبون على ان طبيعة الخزانات الغازية وعمرها الافتراضي تلعب دورا محوريا في انخفاض الانتاج، خاصة مع تأثر حقل ظهر الذي كان يمثل العمود الفقري للغاز المصري خلال السنوات الماضية.

واشار خبير اقتصاد الطاقة جمال القليوبي الى ان تراجع مساهمة حقل ظهر في اجمالي الانتاج خلق فراغا كبيرا لم تنجح الاكتشافات الجديدة في سده بالكامل حتى الان، مبينا ان استهلاك الكهرباء يظل المستهلك الاكبر للغاز في البلاد. واوضح ان الدولة تضطر لاستيراد الغاز لتلبية احتياجات الصيف، وهو ما يرفع من تكلفة المليون وحدة حرارية داخل المنظومة مقارنة بأسعار البيع المدعومة لقطاع الكهرباء.

واضاف القليوبي ان مصر تستمر في عقود تصدير الغاز رغم الحاجة المحلية نظرا للالتزامات التعاقدية مع الشركاء الاجانب والشركات العالمية التي تمتلك حصصا في الانتاج وتدير عمليات التصدير لتحقيق عوائد مجزية. واكد ان هذه العقود تندرج ضمن طبيعة السوق العالمي، حيث تستفيد مصر من فارق الاسعار في بعض الصفقات التجارية لتعزيز ميزانية قطاع الطاقة.

خطط التوسع وآفاق العام المقبل

وبينت مصادر بقطاع البترول ان هناك خططا طموحة لزيادة الانتاج بنحو 1.5 مليار قدم مكعبة يوميا بحلول عام 2027، وذلك من خلال تكثيف انشطة الاستكشاف في مناطق جديدة وتطوير الحقول الحالية لرفع كفاءتها. واوضحت ان الاعتماد على اتفاقيات الغاز المستورد مثل الغاز الاسرائيلي يعد حلا مؤقتا وضروريا لضمان استقرار امدادات الطاقة للصناعة والكهرباء.

واكدت الحكومة ان الدولة تواصل المضي قدما في تعزيز مكانتها كمركز للطاقة عبر مذكرات تفاهم اقليمية، مشيرة الى ان الجهود الحالية تركز على تقليص الفجوة بين الانتاج والاستهلاك من خلال حلول تقنية واقتصادية متكاملة. واضافت ان التوسع في الحفر البحري والبري يمثل اولوية قصوى لضمان تحقيق الاكتفاء الذاتي في المستقبل القريب.

وختمت التقارير الفنية بان قطاع الغاز المصري يمر بمرحلة انتقالية حرجة تتطلب صبرا استثماريا وتطويرا مستمرا، مبينا ان نجاح هذه الاستراتيجية مرهون بقدرة الدولة على جذب مزيد من الاستثمارات الاجنبية وتسريع وتيرة العمل في حقول الغاز الواعدة التي تم الاعلان عنها مؤخرا.