تشهد اسواق السندات الحكومية حول العالم حالة من الاضطراب الحاد نتيجة موجة بيع واسعة النطاق دفعت بتكاليف الاقتراض في كبرى الاقتصادات الدولية الى مستويات تاريخية لم تعهدها منذ عقود طويلة. وتأتي هذه التطورات في ظل تنامي المخاوف لدى المستثمرين من استمرار معدلات التضخم المرتفعة وضبابية المشهد المتعلق بمسارات اسعار الفائدة وتضخم اعباء الديون السيادية بشكل يهدد الاستقرار المالي العالمي.

واظهرت البيانات المالية الاخيرة قفزة كبيرة في عائد سندات الخزانة الامريكية لاجل عشر سنوات لتصل الى مستويات قياسية تزامنا مع تسجيل ارتفاعات مماثلة في السندات الفرنسية والبريطانية واليابانية. واوضحت المؤشرات ان هذه التحركات تأتي مدفوعة بالتوترات الجيوسياسية التي رفعت اسعار النفط مجددا مما يعزز التوقعات ببقاء السياسة النقدية التشددية لفترة اطول مما كان مأمولا في السابق.

وبين المحللون ان ارتفاع عوائد السندات يؤثر بشكل مباشر على تكلفة الاقتراض للافراد والشركات على حد سواء حيث ترتبط القروض العقارية وقروض السيارات وتمويل المشاريع بهذه العوائد كمرجع اساسي. واكد الخبراء ان هذا الضغط المالي يقلل من جاذبية الانفاق والاستثمار مما يلقي بظلاله السلبية على معدلات النمو الاقتصادي في المدى المنظور.

محركات الازمة وتداخلاتها الاقتصادية

وكشفت التحليلات ان ارتفاع الدين العام في الدول الكبرى وتجاوزه عتبات حرجة يضع الحكومات في موقف صعب امام اسواق المال التي بدأت تطالب بعوائد اعلى مقابل المخاطر المتزايدة. واضافت التقارير ان زيادة فاتورة خدمة الدين باتت تستنزف نسبة كبيرة من الناتج المحلي الاجمالي مما يقلص من قدرة الحكومات على المناورة المالية او دعم الاقتصاد في اوقات الازمات.

وشدد المتابعون على ان الطلب المتزايد على السيولة لتمويل طفرة الذكاء الاصطناعي ساهم بشكل لافت في زيادة المعروض من سندات الشركات الكبرى. واشاروا الى ان شركات التكنولوجيا العملاقة اصدرت كميات ضخمة من الديون لتمويل بنيتها التحتية ومراكز البيانات مما خلق ضغوطا اضافية على اسواق رأس المال العالمية.

واوضح تقرير صادر عن مؤسسات مالية ان وتيرة إصدار السندات لتمويل مشاريع الذكاء الاصطناعي قد تضاعفت مقارنة بالعام الماضي. واكد ان هذه التوجهات تعزز من قوة المقرضين في فرض شروطهم ورفع العوائد المطلوبة مما يجعل من عملية التمويل اكثر تكلفة وتعقيدا في ظل محدودية المعروض النقدي.

مستقبل التدخل الحكومي وحراس السندات

وذكر الخبراء ان البنوك المركزية تواجه تحديا مزدوجا في محاولة السيطرة على العوائد دون التضحية باهداف التضخم. واضافوا ان برامج اعادة شراء السندات التي تتبناها بعض الخزانات الوطنية لم تنجح حتى الان في كبح جماح الصعود المستمر في تكاليف الاقتراض طويلة الاجل.

وبينت التجارب السابقة ان تدخل البنوك المركزية كـ «مشترٍ اخير» قد يوفر تهدئة مؤقتة للاسواق لكنه لا يعالج جذور المشكلة المرتبطة بالسياسات المالية التوسعية. واكد محافظو بنوك مركزية اوروبية ان التعويل على تدخلات المؤسسات النقدية لإنقاذ اسواق السندات في كل مرة يعد رهانا غير مضمون النتائج وقد يعطي اشارات خاطئة للاسواق.

وختم المحللون بالتأكيد على عودة ما يعرف بـ «حراس السندات» الى المشهد المالي وهم المستثمرون الذين يمارسون ضغوطا عبر رفع العوائد لاجبار الحكومات على تبني انضباط مالي اكبر. واشاروا الى ان استقرار الاسواق مستقبلا مرهون بقدرة الدول على خفض اعباء ديونها وتعزيز النمو الحقيقي بعيدا عن الاعتماد المفرط على الاقتراض.