شهد الاقتصاد التركي تحولا لافتا خلال شهر سبتمبر الماضي، حيث سجل معدل التضخم السنوي تراجعا ملحوظا كسر حاجز الثلاثين بالمئة للمرة الأولى منذ سنوات طويلة. وكشفت البيانات الرسمية الصادرة عن معهد الإحصاء التركي أن مؤشر أسعار المستهلكين انخفض ليصل إلى 29.73 بالمئة، وسط استقرار في التضخم الشهري الذي سجل زيادة طفيفة بلغت 1.48 بالمئة مقارنة بالشهر السابق. واظهرت هذه الارقام اتجاها تنازليا لم تشهده الاسواق منذ نوفمبر 2021، مما يعطي مؤشرا على نجاح السياسات النقدية المتبعة في كبح جماح الاسعار.

واكدت التقارير الاحصائية ان متوسط اسعار المستهلكين على مدار الاشهر الاثني عشر الماضية استقر عند 29.49 بالمئة، بينما سجلت اسعار المنتجين المحليين مستوى 27.81 بالمئة. وبينت هذه المعطيات ان نسبة الزيادة السنوية المعتمدة للايجارات في شهر اكتوبر الحالي للمنازل واماكن العمل قد تحددت وفقا لهذه المعدلات الجديدة، مما يعكس انعكاس التضخم على مختلف القطاعات الحيوية في البلاد.

واوضحت البيانات ان مجموعات الانفاق الرئيسة شهدت تباينا في الاداء، حيث ارتفعت اسعار المواد الغذائية والمشروبات غير الكحولية بنسبة 27.62 بالمئة، بينما سجلت تكاليف النقل ارتفاعا بنسبة 35.10 بالمئة، ووصلت اسعار السكن والمياه والكهرباء والغاز الى مستوى 39.99 بالمئة. ويشير هذا التوزيع الى الضغوط التي لا تزال تواجهها بعض القطاعات الخدمية رغم التراجع العام في وتيرة التضخم.

مؤشرات التفاؤل الحكومي

وشدد وزير الخزانة والمالية محمد شيمشيك على ان تراجع التضخم الى ما دون الثلاثين بالمئة يمثل نقطة تحول جوهرية بعد 57 شهرا من الارتفاع المتواصل. واضاف ان الانخفاض لم يقتصر على قطاع واحد بل شمل معظم القطاعات باستثناء النقل، مشيرا الى ان اسعار المواد الغذائية سجلت تراجعا ملموسا بمقدار 8.4 نقطة مئوية على اساس سنوي، كما انخفض تضخم اسعار التعليم والايجارات بفضل اللوائح التنظيمية الجديدة.

وبين الوزير ان الحكومة تعمل حاليا على الغاء آلية التسعير المتدرج للبنزين تدريجيا لتقليل الاثار الناجمة عن تقلبات اسعار النفط العالمية. واكد ان تقديرات البنك المركزي كانت تشير الى انخفاض اكبر لولا التوترات الجيوسياسية في المنطقة، موضحا ان السلطات مستمرة في خطط زيادة المعروض من المساكن والسلع الاساسية لضمان استقرار الاسعار على المدى الطويل.

وكشف نائب الرئيس التركي جودت يلماظ عن ان الحكومة تواصل معركتها ضد الغلاء من خلال سياسات منسقة وشاملة تعزز المكاسب التي تحققت في مسار خفض التضخم. واضاف ان الهدف الاستراتيجي للمرحلة القادمة هو ترسيخ هذا الاتجاه النزولي حتى الوصول الى معدلات من خانة واحدة، معتبرا ان استقرار الاسعار هو الركيزة الاساسية لتحقيق نمو اقتصادي مستدام ينعكس ايجابا على معيشة المواطنين.

توقعات مستقبلية واستقرار الاسواق

واوضح يلماظ ان الحكومة تراقب عن كثب التطورات الاقليمية والعالمية وتاثيراتها المحتملة على تكاليف الطاقة والسلع المحلية. وشدد على ان الجهود المبذولة لرفع الانتاجية في القطاع الزراعي وتحسين تخطيط الانتاج ستساهم بشكل مباشر في خفض تكاليف الخدمات اللوجستية، مما يعزز من قدرة الاقتصاد الوطني على مواجهة الصدمات الخارجية ويحسن من التوقعات المستقبلية للاقتصاد التركي.

واكد المسؤولون ان التنسيق بين السياسات النقدية والمالية وسياسات الدخل يهدف الى تقليل انتقال التضخم العالمي الى الاسواق المحلية. وبين ان التركيز في العام القادم سينصب على خفض جمود تضخم الخدمات، خاصة في قطاعي التعليم والايجار، مع التوقعات بتلاشي اثار ارتفاع اسعار السلع الاساسية تدريجيا، مما يعزز الثقة في مسار التعافي الاقتصادي الحالي.

واضافت المصادر الحكومية ان هذه الخطوات تهدف الى زيادة القدرة على التنبؤ في الاقتصاد وضمان ان يكون الازدهار الذي يرافقه النمو شاملا ومستقرا. واشار الى ان الحكومة لن تتوانى عن اتخاذ التدابير اللازمة لضمان عدم عودة التضخم الى مستوياته السابقة، مع الالتزام التام بالمسار المرسوم في البرنامج متوسط الاجل لضمان مستقبل اقتصادي اكثر استقرارا للمواطنين.